تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
الذي لك أن تسميه وجوبا كما وصف به نفسه في قوله :
كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
[ مريم : 71 ] ولكم من آية في القرآن دالة على أن الفعل قد يصدر منه صدورا لا يحتمل النقيض من ذلك قوله :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها
. وللمفسرين في معنى
أَمَرْنا
قولان : الأول أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي وعلى هذا اختلفوا في المأمور به ، فالأكثرون على أن الطاعة والخير . وقال في الكشاف : معناه وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل أمرناهم بالفسق ففسقوا . ولما كان من أصول الاعتزال أنه تعالى لا يأمر بالفحشاء ذكر أن الأمر بالفسق هاهنا مجاز ، ووجهه أنه صب عليهم النعمة صبا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات ، فكان إيتاء النعمة سببا لإيثارهم الفسوق على الائتمار فكأنهم مأمورون بذلك . ثم إنه جعل تقدير أمرناهم بالطاعة ففسقوا عن قبيل التكاليف بعلم الغيب ، ولم يجوّز أن تكون من قبيل « أمرته فعصاني » فإنه يفهم منه أن المأمور به طاعته ولكنه حكم بأنه مثل أمرته فقام أو أمرته فقرأ فإنه لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة . ولقائل أن يقول : كما أن قوله « أمرته فعصاني » يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية من حيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له فكذلك قوله : « أمرته ففسق » يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به ، فكونه فسقا ينافي كونه مأمورا به كما أن كونها معصية ينافي كونها مأمورا بها ، وهذا ظاهر فلا أدري لم أصرّ جار اللّه على قوله مع ضعفه ومخالفته أصله . القول الثاني إن معنى :
أَمَرْنا مُتْرَفِيها
أكثرنا فساقها . قال الواحدي : تقول العرب : أمر القوم . إذا كثروا ، وأمرهم اللّه إذا كثرهم ، وآمرهم أيضا بالمد واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة » « 1 » فالسكة النخيل المصطفة ، والمهرة المأمورة كثيرة النتاج . وقد حمل بعضهم الحديث على الأمر ضد النهي أي قال اللّه لها : كوني كثيرة النسل فكانت ، وروي أن رجلا من المشركين قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إني أرى أمرك هذا حقيرا . فقال صلى اللّه عليه وسلم : إنه سيأمر أي سيكثر وسيكبر . والمترف في اللغة المنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش :
فَفَسَقُوا فِيها
خرجوا عما أمرهم اللّه
فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
استوجبت العذاب
فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
أهلكناها على سبيل الاستئصال . قال الأشاعرة : ظاهرة الآية يدل على أنه تعالى أراد إهلاكهم ابتداء ، ثم توسل
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 3 / 468 ) .