تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
بالذات ، والالتزام لأصول الأخلاق ومكارم العادات وقوانين السياسات إلا أن بعض الخلل أبطل الكل فالكل ينهدم بانهدام الجزء . ثم إن كون القرآن هاديا إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح له نتيجة وأثر وذلك هو البشارة بالأجر الكبير لأهل الإيمان والعمل الصالح وبالعذاب الأليم لغيرهم ، وأنت خبير بأن لفظ البشارة بمعنى الإنذار يستعمل للتهكم إذ البشارة مطلق الخبر المغير للبشرة فكأنه قيل : ويخبر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذابا . ويجوز أن يبشر المؤمنين ببشارتين : إحداهما بثوابهم والأخرى بعذاب أعدائهم . قال في الكشاف : كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة ؟ وأجاب على أصول الاعتزال بأن الناس كانوا حينئذ إما من أهل التقوى وإما من أهل الشرك ، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك . قلت : هذا الجواب منه عجيب ، فإن هذا الصنف لو سلم أنه لم يكن موجودا في ذلك العصر إلا أن حكمه يجب أن يذكر في القرآن الذي فيه أصول الأحكام ، على أن ذكر الفساق من الأمة في القرآن المكي والمدني موجودة قال تعالى :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
[ لقمان : 32 ]
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
[ الزمر : 52 ]
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
[ آل عمران : 135 ] . وإذا كان ذكرهم في القرآن واردا وأنه تعالى يعدد هاهنا أوصاف القرآن على جهة المدح فأي مقام أدعى إلى ذكر هذا الوصف من هاهنا . والجواب الحق أن الفسقة جعلوا بالعين أهل الإيمان واللّه أعلم . قيل : هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة . والجواب المنع من الخصوص ولو سلم فإيمانهم بالآخرة كلا إيمان ، فبعضهم أنكروا المعاد الجسماني وبعضهم قالوا : لن تمسنا النار إلّا أياما . واعلم أنه سبحانه قال هاهنا :
أَجْراً كَبِيراً
وفي أول الكهف
أَجْراً حَسَناً
[ الآية : 2 ] ، رعاية للفاصلة وإلا فالأجر الكبير والأجر الحسن كلاهما الجنة . ولما بين أن القرآن كاف في الهداية ذكر أن الإنسان قد يعدل عن التمسك بأحكامه فقال :
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ
أي جنس الكافر . وقد ذكر جمع من المفسرين أنه النضر بن الحرث دعا
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ
[ الأنفال : 32 ] ، الآية فأجاب اللّه دعاءه وضربت رقبته صبرا . وكان بعضهم يقول : ائتنا بعذاب اللّه ، وآخرون متى هذا الوعد جهلا منهم واعتقادا أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم كاذب . وقيل : المراد أنه يدعو اللّه عند غضبه وضجره فيعلن نفسه وولده وماله ، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك . ويروى أنه صلى اللّه عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرا فأقبل يئن بالليل فقالت له : ما لك تئن ؟ فشكا ألم القد فأرخت من كتافه ، فلما نامت أخرج يده