تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
أحدث في حلمة الثدي ثقوبا صغيرة يخرج اللبن الخالص منها وقت المص أو الحلب فهي بمنزلة المصفاة للبن يخرج اللطيف منها ويبقى الكثيف ، فبهذا الطريق يصير خالصا سائغا للشاربين أي سهل المرور في الحلق حتى قيل إنه لم يقص أحد باللبن قط . ومن عجائب حال اللبن اجتماعه من أجسام مختلفة الطبائع مع أنها واحدة في الحس . فمنها الدهن وهو حار رطب ، ومنها الأجزاء المائية وهي باردة رطبة ، ومنها الجبن وهو بارد يابس وكلها حاصلة من عشب واحد . ثم إنه تعالى ألهم الطفل الصغير مص الثدي عند انفصاله من الأم وكل ذلك دليل على عناية كاملة ورحمة شاملة وعلم تام وقدرة باهرة . قال المحققون : في تقليب العشب في هذه الأطوار إلى أن يصير لبنا خالصا سائغا دليل على أنه تعالى قادر على تقليب الإنسان في أطواره إلى أن يصير مستعدا للبقاء الأبدي واللقاء السرمدي . قال جار اللّه : و « من » في
مِمَّا فِي بُطُونِهِ
للتبعيض و « من » في قوله :
مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ
لابتداء الغاية فهو صلة ل
نُسْقِيكُمْ
كقولك : « سقيته من الحوض » . وجوز أن يكون حالا من قوله :
لَبَناً
مقدما عليه فيتعلق بمحذوف أي كائنا من بين كذا وكذا . وإنما قدم لأنه موضع العبرة فهو جدير بالتقديم . قالت الشافعية : ليس بمستنكر أن يسلك المني مسلك البول وهو طاهر كما أنه يخرج اللبن من بين الفرث والدم طاهرا . وأما قوله :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ
فإما أن يتعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل ومن الأعناب إذا عصرت وحذف لدلالة ما تقدم عليه فيكون قوله :
تَتَّخِذُونَ مِنْهُ
بيانا وكشفا عن كنه حقيقة الاستقاء ، وإما أن يتعلق ب
تَتَّخِذُونَ
فيكون قوله :
مِنْهُ
تكريرا للظرف لأجل التأكيد نظيره قولك : « زيد في الدار فيها » وإنما ذكر الضمير في
مِنْهُ
لأنه يعود إلى المذكور أو إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير كأنه قيل : ومن عصير ثمرات النخيل ومن عصير الأعناب تتخذون منه ، واحتمل أن يكون
تَتَّخِذُونَ
صفة موصوف محذوف كقوله :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
[ الصافات : 164 ] أي وما منا إلا ملك فالتقدير : ومن ثمرات النخيل ومن الأعناب ثمر .
تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً
لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر وهو الخمر سميت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا نحو رشد رشدا ورشدا . وعلى هذا التفسير ففي الآية قولان : أحدهما - ويروى عن الشعبي والنخعي - أنها منسوخة فإن السورة مكية وتحريم الخمر نزل في المائدة وهي مدنية ، وثانيهما أنها جامعة بين العتاب والمنة . وذكر المنفعة لا ينافي الحرمة على أن في الآية تنبيها على الحرمة أيضا لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر ، فوجب في السكر أن لا يكون رزقا حسنا لا بحسب الشهوة بل بحسب