تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
بينهم إلى هذا الحد مع اشتراك الكل في الضروريات البشرية من الحاجة إلى الأكل والشرب والوقاع وغير ذلك . الثانية التمسك بطريقة التقليد وذلك قولهم :
تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا
الثالثة إنكارهم دلالة المعجزة على الصدق . وعلى تقدير التسليم زعموا أنهم ما أتوا بحجة أصلا لاعتقادهم أن معجزاتهم من جنس الأمور المعتادة ، فاقترحوا سلطانا مبينا أي برهانا باهرا وحجة قاهرة . ثم إن الأنبياء سلموا أنهم بشر مثلهم ولكنهم وصفوا أنفسهم بمزية من عند اللّه بطريق المنة والعطية ، وبهذا استدل من جعل النبوّة محض العطاء من اللّه . أجاب المخالف بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسمانية تواضعا منهم ، ولأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لها لخصائص فيهم . وأما الشبهة الثانية فإنما لم يذكروا الجواب عنها لأن صحة النبوّة تهدم قاعدة التقليد ، وأما الشبهة الثالثة فجوابها
وَما كانَ لَنا
أي ما صح منا أن نأتي بآية اقترحتموها من تلقاء أنفسنا وإنما ذلك أمر يتعلق بمشيئة اللّه . والظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بما أجابوا فالقوم أخذوا في السفاهة والتخويف وعند ذلك قالت الأنبياء
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
إلى قوله :
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
قال علماء المعاني : الأول لاستحداث التوكل ، والثاني للسعي في إبقائه وإدامته . وقيل : معنى الأول أن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على اللّه لا علينا ، فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها . ومعنى الثاني إبداء التوكل على اللّه في دفع شر الكفار وسفاهتهم . وفي قولهم :
وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا
إشارة إلى ما سهل اللّه عليهم من طريقة التكميل والإرشاد وتحمل أعباء الرسالة والصبر على متاعبها ، فإن تأثير نفوسهم في عالم الأرواح كتأثير الشمس في عالم الأجسام بالإضاءة والإنارة ، وقد عرفوا بالنفوس المشرقة والأنوار الإلهية أو بالوحي الصريح أنه تعالى يعصمهم من كيد الأعداء ومكر الحساد . وفي قولهم :
وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا
دليل على أن الصبر مفتاح الفرج ومطلع الخيرات ومثمر السعادات . أما قول الكفار للرسل :
أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا
فقد مر البحث عليه في سورة الأعراف في قصة شعيب . وقال صاحب الكشاف : العود هاهنا بمعنى الصيرورة ، حلفوا أن يخرجوهم البتة إلا أن يصيروا كافرين مثلهم
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ
أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه أو أضمر القول . عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من آذى جاره ورّثه اللّه داره » .
ذلِكَ
الذي قضى اللّه به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم حق
لِمَنْ خافَ مَقامِي
يريد موقف اللّه الذي يقف به عباده يوم القيامة وهو موقف الحساب ، أو
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 181 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات