قال قتادة : كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر اللّه تأثما مما قذفهم به حتى إذا لم يبق إلا أخوه قال : ما أظن هذا أخذ شيئا . فقالوا : واللّه لا تتركه حتى تنظر في رحله فنظر .
ثُمَّ اسْتَخْرَجَها
أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث .
مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ
فأخذوا برقبته وحكموا برقيته . ثم قال سبحانه
كَذلِكَ
أي مثل ذلك الكيد العظيم
كِدْنا لِيُوسُفَ
يعني علمناه إياه وأوحينا به إليه . والكيد مبدؤه السعي في الحيلة والخديعة ونهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر به في أمر مكروه ولا سبيل إلى دفعه ، وقد سبق فيما تقدم أن أمثال هذه الألفاظ في حقه تعالى محمولة على النهايات لا على البدايات . وما هذا الكيد ؟
قيل : هو أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمره واللّه تعالى نصره وقواه . وقيل : الكيد يستعمل في الخير أيضا والمعنى كفعلنا بيوسف من الإحسان إليه ابتداء فعلنا به انتهاء .
وقيل : تفسير هذا الكيد هو قوله :
ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ
لأن حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم مثلي ما سرق فما كان يوسف قادرا على حبس أخيه بناء على دين الملك وحكمه . ومعنى
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
هو أن اللّه كاد له فأجرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق حتى توصل بذلك إلى أخذ أخيه ، وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى بعض الأغراض الدينية والدنيوية . ثم مدحه على الهداية إلى هذه الحيلة كما مدح إبراهيم على ما حكى عنه من دلائل التوحيد والبراءة من إلهية الكوكب ثم القمر ثم الشمس فقال :
نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
فوقه أرفع درجة منه في علمه . ثم إن أطلق على اللّه تعالى أنه ذو علم كان هذا العام مخصوصا لأنه لا عليم فوقه ، وإن قيل : إنه عالم بلا علم كما يقوله بعض المعتزلة كان النص باقيا على عمومه ، وإن قلنا إن الكل بمعنى المجموع كان المعنى وفوق جميع العلماء عليم هم دونه في العلم وهو اللّه تعالى . والميل إلى هذا التفسير لأن قوله :
لَذُو عِلْمٍ
مشعر بكون علمه زائدا على حقيقته ووصفه تعالى عين ذاته ، وفي هذا البحث طول وفي الرمز كفاية .
يروى أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء وأقبلوا عليه وقالوا له : ما الذي صنعت ففضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل ، ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصاع ؟ فقال : بنو راحيل هم الذين لا يزال منكم عليهم البلاء ، ذهبتم بأخي فأهلكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم
فعند ذلك
قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ
عنوا به يوسف . واختلف في تلك السرقة فعن سعيد بن جبير أن جده أبا أمه كان يعبد الوثن فأمرته أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادتها . وقيل : سرق عناقا من أبيه أو دجاجة ودفعها إلى مسكين . وقيل : كانت لإبراهيم عليه السلام منطقة يتوارثها أكابر ولده فورثها إسحاق