واللجأ إلى اللّه لطلب إزالة البلية لا على سبيل الإخلاص غير معتبر . وفي الآية محذوف تقديره : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ رسلا فخالفوهم فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وحسن الحذف لكونه مفهوما . والبأساء والضراء البؤس والضر . أو البأساء القحط والجوع ، والضراء الأمراض والأوجاع والرزايا لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يتذللون ويتخشعون وأصله الانقياد وترك التمرد . ضرع الرجل ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف . احتج الجبائي بالآية على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم وسلط هذه البأساء والضراء عليهم إرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا ، فهو يريد الإيمان والطاعة من الكل . وأجيب بأن الترجي في حقه تعالى محال فإنهم يحملونه على الإرادة ، ونحن نحمله على أنه تعالى يعاملهم معاملة المترجي . فالترجيح على أن الفسق وتزيين الشيطان وكل ما يفرضونه لا بد أن ينتهي إلى خلق اللّه وتكوينه . أما قوله فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا فمعناه نفي التضرع كأنه قيل : فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا . ولكنه جاء بلو لا التحضيضية ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا العناد والقسوة والإعجاب ، ثم بين أنه لما لم ينجع فيهم المواعظ والزواجر نقلهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء ففتح أبواب الخيرات عليهم وسهل موجبات المسرات لديهم كما يفعله الأب المشفق لولده ، يخاشنه تارة ويلاينه أخرى . ومعنى كُلِّ شَيْءٍ أي كل شيء كان مغلقا عنهم من الخير حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أي ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ولم يزيدوا إلا بطرا وترفها أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً قال الحسن : مكر بالقوم ورب الكعبة . وقال صلى اللّه عليه وسلم « إذا رأيت اللّه تعالى يعطي العاصي فإن ذلك استدراج من اللّه تعالى » « 1 » . قال العلماء : وإنما أخذوا في حال الراحة والرخاء ليكون أشد لتحسرهم على ما فات من السلامة والعطاء فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ آيسون من كل خير . وقال الفراء : المبلس الذي انقطع رجاؤه . ويقال للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس . وقال الزجاج : المبلس الشديد الحسرة الحزين . « وإذا » هاهنا للمفاجأة وهي ظرف مكان « وهم » مبتدأ و مُبْلِسُونَ خبره وهو العامل في « إذا » فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الدابر للشيء من خلفه كالولد للوالد . دبر فلان القوم يدبرهم دبورا ودبرا إذا كان آخرهم . أبو عبيدة : دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم . الأصمعي : الدابر الأصل قطع اللّه دابره أي أصله وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حمد نفسه على أن لم يترك منهم أحدا واستأصلهم لأن ذلك جار مجرى النعمة على أولئك الرسل ، أو على أولئك الهالكين كيلا يزيدوا كفرا وعنادا فيزدادوا عذابا وعقابا ، أو حمد على ما أنعم عليهم قبل
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحه 79
پدیدآورندگان: حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
ص۷۹
پاورقی
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 145 ) .