تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
إضمار العائد . ثم استفهم مبكتا فقال
أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى
وصف الجمع بصفة الواحدة كما يقال : الرجال فعلت . ثم دل على إيجاب التوحيد بثلاث جمل : أولاها
قُلْ لا أَشْهَدُ
أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء ، وثانيتها
قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
وكلمة « إنما » تفيد الحصر . وثالثتها
وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
ومن هنا قالت العلماء : المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويضم إليهما التبري عن كل دين سوى دين الإسلام . ولما زعم مشركو مكة أنهم سألوا اليهود والنصارى عن نعت محمد صلى اللّه عليه وآله فقالوا : ليس عندنا ذكره كذّبهم اللّه تعالى بقوله
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ
أي يعرفون رسول اللّه بنعوته وحلاه الثابتة في الكتابين
كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ
بالنعوت والحلي لا يخفون عليهم ولا يشتبهون بغير أبنائهم .
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
إما بدل أو بيان من « الذين » الأولى ، ويكون المقصود وعيد المعاندين منهم والجاحدين . وإما مبتدأ والكلام جملة مستأنفة شاملة لجميع الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين . والمراد بخسران النفس الهلاك الدائم الذي يحصل لهم بسبب الكفر . وقيل : ما من أحد إلا وله منزلة في الجنة إلا أن من كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورّث منزلته غيره . ثم بيّن سبب خسرانهم مستفهما على سبيل الإنكار فقال
وَمَنْ أَظْلَمُ
وذلك أنهم جمعوا بين أمرين متنافيين : إثبات الباطل وهو الافتراء على اللّه ، وجحد الحق وهو التكذيب بآيات اللّه ، فمن الأول أن المشركين كانوا يقولون للأصنام إنهم شركاء اللّه واللّه أمرهم بذلك ، وكانوا يقولون : الملائكة بنات اللّه وهؤلاء شفعاؤنا عند اللّه ، واليهود والنصارى كانوا يزعمون أن التوراة والإنجيل ناطقان بعدم النسخ ، وأنهم أبناء اللّه وأحباؤه ، وأن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة إلى غير ذلك من مفترياتهم . ومن الثاني قدحهم في القرآن وفي صحة نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
الذين وضعوا الشيء في غير موضعه الباطل مكان الحق والحق بإزاء الباطل . ثم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ
وناصبه محذوف أي ويوم كذا كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في الوعيد . ويحتمل أن يكون مفعول « واذكر » أو معطوفا على محذوف أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ويوم الحشر .
أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ
آلهتكم التي جعلتموهم شركاء
الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
هم شركاء فحذف المفعولان . والمقصود من هذا الاستفهام التقريع والتبكيت ، ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حيث لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم ، ويجوز أن يحال بينهم وبين آلهتهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فتزداد حسرتهم ، ويحتمل أن يقال : أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم ؟ والغرض من جميع الوجوه أن يتقرر