تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 587

مساهمون:

ص٥٨٧
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ
متعلقا ب
يَتَعارَفُونَ
والمراد باللبث . قيل : لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة ، أو لطول وقوفهم في الحشر ، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها . وأما التعارف فقد قيل : يعرّف بعضهم بعضا ما كانوا عليه من الخطأ والكفر وقيل : يعرف كل واحد أهل معرفته . والجمع بين ذلك وبين قوله :
وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً
[ المعارج : 10 ] أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا ، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة . وإنما حذف « جميعا » في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا
[ الأنعام : 122 ] ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله :
جَمِيعاً
ليشمل الفريقين صريحا واللّه أعلم . قوله :
قَدْ خَسِرَ
استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل : ما أخسرهم ! وفيه شهادة من اللّه على خسرانهم . وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك . ثم أكد خسرانهم بقوله :
وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله ، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله . ثم سلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلم فقال :
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ
وجوابه محذوف . وقوله :
فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ
جواب
أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ
والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك ، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا . ولقد صدق اللّه وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم ، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ « ثم » لتبعيد الرتبة في قوله :
ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ
ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب ، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة اللّه . ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال :
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ
وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلم المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه .
فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ
فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون
قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] ويحتمل أن يقال : المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه تعالى يقول : أنا شهيد على