تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
ثم قال سبحانه
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ
الكنز هو المال المدفون وقد كنزه يكنزه . والتركيب يدل على الجمع ومنه ناقة كناز مكتنزة اللحم ، واكتنز الشيء اجتمع . قيل : المراد بقوله
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ
الأحبار والرهبان لما وصفهم بالحرص الشديد ، أراد أن يصفهم بالامتناع من إخراج الواجبات عن أموالهم . وقيل : المقصود مانعو الزكاة من المسلمين . ووجه النظم أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والخديعة ؟ ! عن زيد بن وهب قال : مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت له : ما أنزلك هذه البلاد ؟ قال : كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية فقال معاوية : نزلت في أهل الكتاب . وقلت : نزلت فينا وفيهم فصار ذلك سببا للوحشة . فكتب إلي عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة ، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني كأنهم لم يروني من قبل ، فذكرت ذلك لعثمان فقال : إن شئت تنحيت فكنت قريبا . قلت : إني واللّه لا أدع ما كنت أقول . وعن الأحنف قال : لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول : بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه ، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه . فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت : ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم . فقال : ما عسى يصنع بي قريش . واختلف علماء الصحابة في هذا الكنز المذموم فقال الأكثرون : هو المال الذي لم تؤدّ زكاته . عن عمر بن الخطاب : مال أديت زكاته فليس بكنز . وقال ابن عمر : كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين ، وكل مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض . وقال جابر : إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز . وعن ابن عباس : قوله
وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ
يريد الذين لا يؤدّون زكاة أموالهم . قال القاضي : ويندرج فيه سائر الحقوق من الكفارات والديون ونفقة الحج والجهاد والإنفاق على الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات . وقال الأقلون : كل مال كثير فهو مذموم سواء أديت زكاته أو لم تؤد . وحجة الأولين قوله تعالى
لَها ما كَسَبَتْ
[ البقرة : 286 ]
وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ
[ محمد : 36 ] وقوله عليه السلام : كل امرئ أحق بكسبه » « 1 » « نعم المال الصالح للرجل الصالح ما أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان باطنا ، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز وإن كان ظاهرا » « 2 » . وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جمع من الأغنياء كعثمان بن
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 197 ، 202 ) . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب الزكاة باب 4 . ابن ماجة في كتاب الزكاة باب 3 .