تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
قوله
أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ
. أو المراد أنهم أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفا بالهجرة ولا الجهاد وإن كان مؤمنا فضلا عن الكافر . أو المراد ترجيح الإيمان والهجرة والجهاد على السقاية والعمارة . ولا شك أنهما من أعمال والخير وموجبان للثواب لولا الكفر . وفي قوله
عِنْدَ اللَّهِ
تشريف عظيم لقوله
وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
وكذا في قوله
وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ
لدلالته على انحصار الفوز فيهم . ثم فسر الفوز بقوله
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ
التنكير فيها يفيد أنها وراء وصف الواصف ، قال المتكلمون : الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فالتبشير بالرحمة والرضوان إشارة إلى غاية التعظيم ونهاية الإجلال والجنات إشارة إلى حصول المنافع العظيمة . وقوله
لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ
إشارة إلى خلوص تلك المنافع عن شوائب الكدورات . ثم عبر عن دوامها بثلاثة ألفاظ مؤكدات أولها
مُقِيمٌ
وثانيها
خالِدِينَ
وثالثها
أَبَداً
وقال أهل التحقيق : الفرح بالنعمة قد يكون من حيث إنها نعمة وقد يكون من حيث إن المنعم خصه بها كالسلطان إذا أعطى بعض الحاضرين تفاحة مثلا ، ثم النعمة قد تكون حسية وقد تكون عقلية فقوله
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ
إشارة إلى أعلى المراتب وهو مقام العارفين الذين نظرهم على مجرد سماع البشارة لا على المبشر به . وقوله
بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ
إشارة إلى المرتبة الوسطى وهم العاكفون على عتبة اللذات الروحانية العقلية . وقوله
جَنَّاتٍ
إلى آخره إشارة إلى المرتبة السفلى وهم الواقفون عند ساحات مواقع اللذات الحسيات . وفي تخصيص الرب بالمقام إشارة إلى أن الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها يبشركم بخيرات دائمة وسعادات باقية لا حصر لها . ويجوز أن تكون الرحمة إشارة إلى رضا العبد بقضائه فيسهل عليه الغموم والآفات ، والرضوان إشارة إلى رضاه عن العبد فيكون كقوله
ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
[ الفجر : 28 ] ثم أكد المعاني المذكورة بقوله
اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
وفي تصدير الجملة الاسمية بأن وفي لفظ « عند » وتقديمه وتنكير « أجر » ووصفه بالعظم مبالغات لا تخفى . قال الكلبي : لما أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه ولأخيه ولقرابته إنا قد أمرنا بالهجرة فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه ، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده فيقولون : ننشدك اللّه أن لا تدعنا إلى غير شيء فنضيع فيرق فيجلس معهم ويدع فنزل فيهم
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا
الآيتين . وذكروا في وجه النظم أن هذه الآية جواب عن شبهة أخرى قالوها وهي أنه كيف يمكن دعوى البراءة من الكفار وبينهم وبين المسلمين قرابات ومواصلات ومعاملات ؟ فذكر اللّه تعالى أن الانقطاع
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 445 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات