تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضا على فعل ما يستقبل و « ليس » مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال . قال ابن إسحاق والسدي والكلبي : نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر أو من المدينة . يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه صلى اللّه عليه وسلم يوم الأحزاب . وقيل : همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه صلى اللّه عليه وسلم مكة ثم يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافا به صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد
وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا : لا ننصرف حتى نستأصل محمدا ومن معه . أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعة ، أو المراد أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم جاءهم أولا بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادئ أظلم . والحاصل أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته وأن يوبخ من فرط فيها . ثم زاد في التوبيخ فقال فيه
أَ تَخْشَوْنَهُمْ
تقريرا للخشية منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل : أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفا من خصمه . ثم بيّن ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلا
فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا اللّه ، لأن قدرته أتم وعقابه أشدّ بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد . وفي الفاء نوع من تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل : لا تخشوهم لأن اللّه أحق بالخشية وأحرى بالطاعة ، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل : إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا اللّه . ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال
قاتِلُوهُمْ
ورتب عليه خمس نتائج : الأولى : قوله
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
أي القتل والأسر واغتنام الأموال ، وهذا لا ينافي
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
[ الأنفال : 33 ] لأنه أراد هناك عذاب الاستئصال . قالت الأشاعرة : في الآية دلالة على أن الذي يدخل في الوجود من الأفعال كلها من اللّه يظهرها على أيدي العباد . واعترض الجبائي بأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال : كذب اللّه أنبياءه على لسان الكفرة . وأجيب بأن الأمر كذلك عندنا إلا أنا لا نقوله رعاية للأدب كما لا يقال يا خالق الخنافس والحشرات . وكما أنكم لا تقولون يا مسهل أسباب الزنا واللواط ويا دافع الموانع عنها . الثانية :
وَيُخْزِهِمْ
قيل : هو الأسر . وقيل : المراد ما نزل بهم من الذل والهوان حين شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين وهو قريب من الأول . أو هو هو . وقيل : هو عذاب الآخرة . الثالثة :
وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ
أورد عليه أن النصر يستتبعه إخزاء الخصم فأي حاجة إلى إفراده بالذكر ؟ والجواب