مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا
بدل منه فيدخل في الموعظة كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد . وأراد بالتفصيل تبيين كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أقسام الأحكام ، ويجوز أن يكون
مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا
مفعولين ل
كَتَبْنا
والتقدير : وكتبنا له في الألواح موعظة من كل شيء وتفصيلا لكل شيء . قيل : أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر : موسى ويوشع وعزير وعيسى .
وعن مقاتل : كتب في الألواح أني أنا اللّه الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئا ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كذبا فإن من حلف باسمي كاذبا فلا أزكيه ، ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تعقوا الوالدين .
فَخُذْها
على إرادة القول أي وكتبنا فقلنا له خذها أو بدل من قوله
فَخُذْ ما آتَيْتُكَ
والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه في معنى الأشياء ، أو للرسالات أو للتوراة
بِقُوَّةٍ
بجد وعزيمة فعل أولى بالعزم من الرسل
وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها
سئل هاهنا أنه لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأمورا به ، فظاهر قوله
يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها
يقتضي أن فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ به . وأجاب العلماء بوجوه منها ، أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر ، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب فيكون كقوله
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
[ الزمر : 55 ] وكقوله
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
[ الزمر : 18 ] قال قطرب : الأحسن بمعنى الحسن وكلها حسن . وقيل : الحسن يشمل الواجب والمندوب والمباح والأحسن الواجب والمندوب . وقال في الكشاف : يجوز أن يراد يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه كقولهم الصيف أحر من الشتاء . ثم ختم الآية بالوعيد والتهديد فقال
سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ
قال ابن عباس والحسن ومجاهد يعني جهنم أي ليكن ذكر جهنم حاضرا في أذهانكم لتحذروا أن تكونوا منهم . وعن قتادة : يريد مواطن الجبابرة والفراعنة الخاوية بالشأم ومصر ليعتبروا بذلك فلا يفسقوا مثل فسقهم فيصيبهم مثل ما أصابهم . وقال الكلبي : هي منازل عاد وثمود وأقرانهم يمرون عليها في أسفارهم . وقيل : المراد الوعد والبشارة بأن اللّه تعالى سيرزقهم أرض أعدائهم ويؤيده ما قرئ سأورثكم . وقوله
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ
[ الأعراف : 137 ] .
ثم ذكر ما به يعامل الفاسقين المتكبرين فقال
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ
الآية . فاحتجت الأشاعرة بها على أنه تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصرف عنه . وقال الجبائي : قوله
سَأَصْرِفُ
للاستقبال والمصروفون موصوفون بالتكبر والانحراف عن الطريق المستقيم في الزمان الماضي ، فعلم أن المراد من هذا الصرف ليس هو الكفر . وأيضا الصرف مذكور