تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
الإقرار وإيراد الكفر بدل الإيمان وضع للشيء في غير موضعه ، أو تظلموا الناس بسببها حين أوعدوهم وصدوهم عنها وأذوا من آمن بها .
فَانْظُرْ
أيها المعتبر المستبصر بعين بصيرتك
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
كيف فعلنا بهم ؟ وهذه قصة إجمالية ثم شرع في تفصيلها وذلك قوله
وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
أي إله قادر عليم حكيم . وفيه أن العالم موصوف بصفات لأجلها افتقر إلى رب يربيه
حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ
من قرأ بالتشديد في
عَلى
و
حَقِيقٌ
إما بمعنى فاعل أي واجب عليّ ترك القول على اللّه إلا بالحق ، أو بمعنى مفعول أي حق عليّ ذلك . تقول العرب إني لمحقوق على أن أفعل خيرا . وأما قراءة العامة
حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ
مرسلة الياء ففيه وجوه أحدها : أن يكون « علي » بمعنى « الباء » كقولهم جئت على حال حسنة وبحال حسنة ، قال الأخفش : وهذا كما قال
وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ
[ الأعراف : 86 ] أي على كل صراط ويؤكد هذا الوجه قراءة أبيّ حقيق بأن لا أقول أي أنا خليق بذلك . وثانيها : أن الحق هو الدائم الثابت والحقيق مبالغة فيه ، وكل ما لزمك فقد لزمته فكأن المعنى أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق . وثالثها : أن يضمن حقيق معنى حريص . ورابعها : أن يكون من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس فيئول المعنى إلى قراءة نافع . وخامسها : أن يكون إغراقا في الوصف ومبالغة بالصدق والمراد أنا حقيق على قول الحق أي واجب عليّ أن أكون أنا قائله والقائم به ولا يرضى إلا بمثلي ناطقا به . وسادسها : أن يكون على هذه هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية كقوله تعالى
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
[ الروم : 30 ] ويقال : جاءني فلان على هيئته وعلى عادته وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات . فمعنى الآية لم أتحقق إلا على قول الحق . ولما كان ظهور المعجزة على وفق الدعوى دالا على وجود الإله القادر المختار وعلى تصديق الرسول جميعا قال
قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
أي بمعجزة قاهرة باهرة منه . ثم فرع عليه تبليغ الحكم وهو قوله
فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ
أي أطلقهم وخل سبيلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم . وذلك أن يوسف عليه السلام لما توفي وانقرضت الأسباط غلب فرعون نسلهم واستعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة
قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
فيه سؤالان : أحدهما لفظي وهو أن هاهنا شرطين فأين جوابهما ؟ والجواب أن المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى نظيره قول القائل : إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيدا . وثانيهما : أن قوله
إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ
وقوله
فَأْتِ بِها
كلاهما واحد في المعنى فكيف يفيد تعليق أحدهما بالآخر ؟ وجوابه المنع إذ المراد إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأحضرها لتصح دعواك . ثم