تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
ففيه وجوه : قال بعض من يقول بأن إرادة اللّه تعالى حادثة : معناه أنه تعالى أحدث إرادة في ذلك الوقت . وقيل : أراد هود أنه أخبر بنزول العذاب . وقيل : جعل المتوقع الذي لا شك فيه بمنزلة الواقع كقولك لمن طلب منك حاجة قد كان ذلك . تريد أنها ستكون البتة . وعن حسان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل فجاء أباه يبكي فقال له : يا بني ما لك ؟ فقال : لسعني طوير كأنه ملتف في بردي حبرة فضمه إلى صدره وقال : يا بني قد قلت الشعر . ثم أنكر عليهم قبيح فعالهم فقال
أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ
تناظرونني في شأن آلهة أشياء ما هي إلا أسماء
سَمَّيْتُمُوها
أحدثتموها
أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ
أي لا حجة على حقيقتها فتنزل . والحاصل أنها أسماء بلا مسميات لأنكم تسمونها آلهة ومعنى الإلهية فيها معدوم محال . سموا واحدا بالعزى مشتقا من العز وما أعطاه اللّه تعالى عزا أصلا . وسموا آخر منها باللات من الإلهية وما له من الإلهية أثر . وإنما قال في هذه السورة نزل وفي غيرها مما سيجيء
أَنْزَلَ
لأن « نزل » للتكثير فيكون للمبالغة ويجري ما بعده مجرى التفصيل للجملة ، أو أنواع للجنس واللّه أعلم . ثم إنه ذكرهم وعيدا محدودا فقال
فَانْتَظِرُوا
سوء عاقبة هذه الأصنام
إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ
عاقبة السوء أو عاقبة الحسنى وذلك قوله
فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ
بسبب رحمة كانوا يستحقونها
مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
أي استأصلناهم ودمرناهم عن آخرهم وقد مر مثله في الأنعام . وفائدة نفي الإيمان عنهم في قوله
وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ
مع إثبات التكذيب بآيات ربهم أن يكون تعريضا بمن آمن منهم كمرثد بن سعد وغيره كأنه قيل : ولقد قطعنا دابر الذين كذبوا ولم يكونوا مثل من آمن منهم ، أو معنى
وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ
في علم اللّه تعالى أي لم يكونوا من المكذبين الذي لو بقوا لآمنوا . قال في الكشاف : وإن عادا قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت وكانت لهم أصنام يعبدونها . صداء وصمود والهباء فبعث اللّه هودا نبيا وكان من أوسطهم وأشرفهم وأفضلهم حسبا فكذبوه وازدادوا عتوا وتجبرا ، فأمسك اللّه عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا . وإن الناس كانوا إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى اللّه الفرج من ذلك عند بيته الحرام مسلمهم ومشركهم وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر ، فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلا منهم قيل بن عنز ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فلما نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم أنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان كانتا لمعاوية إحداهما وردة والأخرى جرادة ولما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا لأجله أهمه ذلك وقال : قد هلك أخوالي