تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
مخالفا كان ذلك القياس تخصيصا لعموم هذا النص فيكون مردودا لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس ، فإذن القرآن واف بجميع الأحكام الشرعية واللّه تعالى أعلم . ثم بيّن أن الزينة والطيبات خلقت في الحياة الدنيا لأجل المؤمنين بالأصالة وللكفرة بالتبعية كقوله :
وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا
[ البقرة : 126 ] وأما في الآخرة فإنها خالصة لهم فقال :
قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً
من قرأ بالرفع فلأنه خبر بعد خبر . قال أبو علي : أو على الخبر و
لِلَّذِينَ آمَنُوا
متعلق به والتقدير : هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا
يَوْمَ الْقِيامَةِ
وعلى هذا يكون
فِي الْحَياةِ
ظرفا ل
آمَنُوا
و
يَوْمَ الْقِيامَةِ
ظرفا ل
خالِصَةً
فيفهم من ذلك أنها في غير يوم القيامة غير خالصة لهم بل تكون مشوبة برحمة الكفار . وعلى الأول يكون
فِي الْحَياةِ
ظرفا لمحذوف أي هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة . ومن قرأ بالنصب فعلى الحال وباقي التقدير كما ذكرنا آنفا
كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
أي لقوم يمكنهم النظر والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية . ثم بين أصول الأفعال المحرمة وحصرها في ستة أنواع لأن الجناية إما على الفروج وأشار إليها بقوله :
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
وإما أن تكون على العقول وهي شرب الخمر وإليها الإشارة بقوله :
وَالْإِثْمَ
وقيل : الفواحش الكبائر والإثم الصغائر . وقيل : الفواحش كل ما تزايد قبحه وتبالغ ، والإثم عام لكل ذنب كأنه خصص أوّلا ثم عمم . وإما أن تكون الجناية على النفوس والأموال والأعراض وإليهن الإشارة بقوله :
وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
ومعنى بغير الحق أن لا يقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر إلا أن يكون لهم فيه حق فحينئذ يخرج عن أن يكون بغيا ، وإما أن تكون الجناية على الأديان إما بالطعن في التوحيد وإليه أشار بقوله :
وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً
أي لا سلطان حتى ينزل وإما بالافتراء على اللّه وذلك قوله :
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
فإن قيل : الفاحشة وغيرها هي التي نهى اللّه تعالى عنها فيصير تقدير الآية إنما حرم ربي المحرمات وهذا كلام خال عن الفائدة . فالجواب أن كون الفعل فاحشة عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه فيزول الإشكال . ثم شدد أمر التكاليف بالآجال المحدودة والأنفاس المعدودة فقال :
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ
عن ابن عباس والحسن ومقاتل : معناه أنه تعالى أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين لا يعذبهم قبل ذلك ولا يؤخرهم عنه والمقصود وعيد أهل مكة . وقيل : معناه أن أجل العمر لا يتقدم ولا يتأخر سواء الهالك والمقتول . وأورد على القول الأول أنه ليس لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال . وعلى الثاني أنه كان ينبغي أن يقال : ولكل إنسان أو أحد أجل . ويمكن أن يقال : الأمة هي الجماعة في كل