تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
لكما ناصح وقالا له : نقسم باللّه إنك إن صدقت ناصح . أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها ، أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه اجتهد فيها اجتهاد المقاسم
فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ
أي أوقعهما فيما أراد من تغرير ، وأصله أن الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه . وقيل : أي جرأهما على أكل الشجرة من قولهم : فلان يدل على أقرانه في الحرب كالبازي يدل على صيده . قال ابن عباس : غرهما باليمين . وكان آدم يظن أن لا يحلف أحد باللّه كاذبا . وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى من بعض عبيده طاعة وحسن صلاة أعتقه فكان عبيده يفعلون ذلك طلبا للعتق ، فقيل له : إنهم يخدعونك فقال : من خدعنا باللّه انخدعنا له .
فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ
فيه دلالة على أنهما تناولا اليسير قصدا إلى معرفة طعمه ولولا أنه ذكر في آية أخرى
فَأَكَلا مِنْها
[ طه : 121 ] لم يدل على الأكل لأن الذوق قد يكون من غير أكل .
بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما
ظهرت عوراتهما أي عورتاهما مثل
صَغَتْ قُلُوبُكُما
[ التحريم : 4 ] مكان قلباكما
وَطَفِقا يَخْصِفانِ
أخذا في الفعل وهو الخصف ، ويستعمل طفق بمعنى كاد . قال الزجاج : أي يجعلان ورقة على ورقة ليستترا بهما كما تخصف النعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور . والورق ورق التين وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة ؟
أَ لَمْ أَنْهَكُما
عتاب من اللّه وتوبيخ وباقي الآيات مفسر في سورة البقرة . عن ثابت البناني : لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها : خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك . فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وترا وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له ولحدوا ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه : هذه سنتكم بعده . وقد بقي علينا من التفسير أسرار المتشابهات الواقعة في هذه القصة فلنفرغ لها . قوله :
ما مَنَعَكَ
وفي ص
يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ
[ الآية : 75 ] وفي الحجر
يا إِبْلِيسُ ما لَكَ
[ الآية 32 ] حذف المنادى في هذه السورة لأن مضي ذكره هنا أقرب فلم يحتج إلى إعادة اسم اللعين بالنداء . قوله :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ
وفي ص
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ
[ الآية : 75 ] جمع بين لفظ المنع ولفظ « لا » في هذه السورة لأنه لما حذف النداء زاد لفظة « لا » زيادة في النفي وإعلاما بأن المخاطب به إبليس . وإن شئت قلت : جمع في السورة بين ما في « ص » وما في « الحجر » فقال :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ
و
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ
وحذف
أَنْ تَسْجُدَ
وحذف
ما مَنَعَكَ
لدلالة الحال ودلالة السورتين عليه فبقي
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ
.