تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
المجتنى متعرضة للقاطف كالشئ الداني القريب المتناول ، وأن النخلة وإن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها تأتي بالثمر لا تنتظر الطول
وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ
بالنصب عطفا على
خَضِراً
أي وأخرجنا به جنات من أعناب . ومن قرأ بالرفع فعلى أنها مبتدأ محذوف الخبر أي وثم جنات من أعناب ، أو وجنات من أعناب مخرجة ، ولا يجوز أن يكون عطفا على قنوان وإن جوّزه في الكشاف ، إذ يصير المعنى وحاصلة أو مخرجة من النخل من طلعها جنات حصلت من أعناب . أما قوله
وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ
بالنصب فللعطف على منصوبات قبلها أو للاختصاص لفضل هذين الصنفين . قال الفراء : أراد شجر الزيتون وشجر الرمان فحذف المضاف . واعلم أنه سبحانه قدم الزرع على الأشجار لأنه غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء مقدم على الفواكه ، ثم قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يقوم مقام الغذاء ولا سيما للعرب . ومن فضائلها أن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوانات مشابهات كثيرة ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم « أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من بقية طينة آدم » ثم ذكر العنب عقيب النخل لأنه أشرف أنواع الفواكه وأنه ينتفع به من أوّل ظهوره إلى آخر حاله . فأوّله خيوط دقيقة حامضة الطعم لذيذة وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه ، ثم يظهر الحصرم وهو طعام شريف للأصحاء وللمرضى من أصحاب الصفراء ، ثم يتم العنب فيؤكل كما هو ويدخر ويتخذ منه الزبيب والدبس والخمر والخل ومنافع كل منها لا تحصى ، إلا أن الخمر حرمها الشرع لإسكارها . وأخس ما في العنب عجمه والأطباء يتخذون منه جوارشنات نافعة للمعدة الضعيفة الرطبة . ويتلو العنب في المنفعة الزيتون لأنه يمكن تناوله كما هو ، وينفصل منه الزيت الذي يعظم غناؤه ، وأما الرمان فحاله عجيبة جدا لأنه قشر وشحم وعجم وماء . والثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة ، وأما ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات وأنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة ، وفيه تقوية للمزاج الضعيف وهو غذاء من وجه ودواء من وجه ، وكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين فيكون دلالة القدرة والرحمة والحكمة فيه أكمل وأنواع النبات أكثر من أن يفي بشرحها المجلدات فاكتفي بذكر هذه الأنواع الخمسة تنبيها على البواقي . وأما قوله
مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ
ففي تفسيره وجوه الأوّل أن هذه الفواكه تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذّة ، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس . الثاني أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابها في الطعم والخاصية ، وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنها تكون مختلفة ، ومنهم من يقول : الأشجار متشابهة والثمار مختلفة . ومنهم من قال : بعض حبات العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه وذلك أنك قد تأخذ العنقود من