الفاضلة الكاملة . أو نقول : إن للإنسان أياما ثلاثة الأمس والبحث عنه يسمى معرفة المبدأ ، واليوم والبحث عنه يسمى بالوسط ، والغد والفحص عنه يسمى بعلم المعاد . فقوله :
آمَنَ الرَّسُولُ
إلى قوله
مِنْ رُسُلِهِ
إشارة إلى معرفة المبدأ
وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا
إشارة إلى الوسط و
غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
علم المعاد ومثله في آخر سورة هود
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
[ هود : 123 ] وهو معرفة المبدأ لأن الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة . وقوله :
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ هود : 123 ] فيه بيان كمال العلم ، وقوله
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ
فيه كمال القدرة . وأما علم الوسط وهو علم ما يجب أن يشتغل به اليوم فبدايته الاشتغال بالعبودية وهو قوله :
فَاعْبُدْهُ
[ هود :
123 ] ونهايته قطع النظر عن الأسباب ، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب وهو قوله
وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ
[ هود : 123 ] وأما علم المعاد فقوله :
وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
[ هود : 123 ] أي ليومك غد سيصل إليك فيه نتائج أعمالك ومثله
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
[ الصافات : 180 ] وهو معرفة المبدأ
وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
[ الصافات :
181 ] وفيه إشارة إلى عالم الوسط
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ الصافات : 182 ] إشارة إلى علم المعاد كقوله
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ يونس : 10 ] والوقوف على هذه الأسرار إنما يكون بجذبة من ضيق عالم الأسرار إلى فسحة عالم الأنوار . أو نقول
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ
إشارة إلى الأحكام العقليات
وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا
إشارة إلى الأحكام السمعيات . قال الواحدي : أي سمعنا قوله وأطعنا أمره . وقيل : حذف المفعول صورة . ومعنى هاهنا أولى ليفيد أنه ليس في الوجود قول يجب سمعه إلا قوله ، ولا أمر تجب إطاعته إلا أمره . والسماع هاهنا بمعنى القبول أي سمعناه بآذان عقولنا وعرفنا صحته وتيقنا أن كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء عليهم السلام ، فهو حق صحيح واجب قبوله ، ثم قال
وَأَطَعْنا
فدل هذا على أنه كما صح اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا بشيء منها ، فجمع اللّه تعالى بهذين اللفظين كل ما يتعلق بأبواب التكاليف علما وعملا .
غُفْرانَكَ
مصدر منصوب بإضمار فعله أي اغفر . ويقال : غفرانك اللهم لا كفرانك . من قوله
وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ
[ آل عمران : 115 ] أي لن تعدموا جزاءه . وفي الكشاف : أي نستغفرك ولا نكفرك . وقيل : معناه نسألك غفرانك فيكون مفعولا به . والأشهر أنه مصدر حذف فعله وجوبا لكثرة الاستعمال وللاستغناء به عن فعله نحو : سقيا ورعيا . وهاهنا سؤال وهو أن القوم لما قبلوا التكليف وعملوا به فأي حاجة بهم إلى طلب المغفرة ؟ والجواب لعلهم خافوا أن يكون قد فرط منهم تقصير فيما يأتون