تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
واعلم أن العلماء اتفقوا على أن الأمور التي تخطر بالبال مما يكرهها الإنسان ولا يمكنه إزالتها عن النفس ، لا يؤاخذ بها لأنها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق . وأما الخواطر التي يوطن الإنسان نفسه عليها ويعزم على إدخالها في الوجود فقد قيل : إنه يؤاخذ بها لقوله تعالى :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
[ البقرة : 225 ] وكما يؤاخذ باعتقاد الكفر والبدع وأنه من أفعال القلوب ، ثم قال بعضهم : إنما يؤاخذ بها في الدنيا لما روى الضحاك عن عائشة أنها قالت : ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة اللّه عليه . نعم يبتليه في الدنيا أو حزن أو أذى ، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب . وروت أنها سألت النبي صلى اللّه عليه وسلم عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه . وقيل : إن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل فإنه في محل العفو لما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال بعد نزول قوله
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
« إن اللّه تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا » « 1 » وقيل : معنى قوله
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
أن يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهرا وإما على سبيل الخفية ، وعلى هذا فلا حاجة إلى التزام النسخ . وكذا لو قيل : إن معنى كونه حسيبا ومحاسبا كونه عالما بما في الضمائر والسرائر فيغفر لمن يشاء وإن كان من أصحاب الكبائر لعموم اللفظ . وعند المعتزلة لمن استوجب المغفرة بالتوبة وهو تخصيص من غير دليل
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
مستول على كل الممكنات بالقهر والغلبة والإيجاد والإعدام . فعلى كل عاقل أن يكون له عبدا منقادا خاضعا لأوامره ومراضيه ، محترزا عن مساخطه ومناهيه ليستحق المدح والثناء بقوله
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ
فإن كمال الربوبية في الواجب يستلزم كمال العبودية في الممكن ، وكمال العبودية في الممكن يستتبع كمال الرحمة عليه وذلك قوله :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
إلى آخر السورة . أو نقول : إنه بدأ السورة بذكر المتقين الذين يؤمنون بالغيب ، فبيّن في آخرها أن الذين مدحتهم في أول السورة هم أمة محمد
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ
ثم قال هاهنا
وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا
كما قال هناك
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
[ البقرة : 3 ] وقال هاهنا
غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
كما قال هنالك
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
[ البقرة : 4 ] ثم حكى عنهم كيفية تضرعهم إلى ربهم بقوله :
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا
إلى آخر السورة كما قال هناك
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ البقرة :
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب 15 . مسلم في كتاب الإيمان حديث 201 ، 202 . أبو داود في كتاب الطلاق باب 15 . الترمذي في كتاب الطلاق باب 8 . ابن ماجة في كتاب الطلاق باب 14 . أحمد في مسنده ( 2 / 255 ) .