تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
الدين أمانة وإن كان مضمونا لائتمانه عليه بترك الارتهان منه والحاصل أنه مجاز مستعار . وذلك أنه لما اشترك هذا الدين مع الأمانة الشرعية في وصف وجود الأمانة اللغوية أطلق أحدهما على الآخر . والائتمان افتعال من الأمن
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
حتى لا يدور في خلده جحود واختيان . وفي الآية قول آخر وهو أنها خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنها أمانة في يده . والصحيح هو الأول . ومن الناس من قال : هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتبة والإشهاد وأخذ الرهن . والحق أن تلك الأوامر محمولة على الإرشاد رعاية وجوه الاحتياط ، وهذه الآية محمولة على الرخصة . وعن ابن عباس أنه قال : في آية المداينة نسخ . ثم قال :
لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ
وفيه وجوه : الأول عن القفال : أنه تعالى لما أباح ترك الكتبة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أمينا ، ثم كان من الجائز أن يكون هذا الظن خطأ وأن يخرج المديون جاحدا للحق ، وكان من الممكن أن يكون بعض الناس مطلعا على أحوالهم ، ندب اللّه ذلك الإنسان أن يشهد لصاحب الحق بحقه ، سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة أم لا ، وشدد فيه بأن جعله إثم القلب لو تركه . وعلى هذا يمكن أن يحمل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد » « 1 » وقيل : المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة . وقيل : المراد بالكتمان الامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها ، فإن في ذلك إبطال حق المسلم ، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه ، فلهذا بالغ في الوعيد وقال
وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
والآثم الفاجر ، والآثم مرتفع بأن و
قَلْبُهُ
فاعله . ويجوز أن يكون
قَلْبُهُ
مبتدأ و
آثِمٌ
خبره مقدما عليه ، والجملة خبر « إن » . وفائدة ذكر القلب والشخص بجملته آثم لا قلبه وحده ، هو أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلب من الدواعي والصوارف ، وإسناد الفعل إلى القلب الذي هو محل الاقتراف ومعدن الاكتساب أبلغ كما يقال عند التوكيد : هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي ، وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب » « 2 » . وزعم كثير من المتكلمين أن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 117 ) ، ( 5 / 192 ) بلفظ « خير الشهادة ما شهد بها صاحبها قبل أن يسألها » . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب الإيمان باب 39 . مسلم في كتاب المساقاة حديث 107 . ابن ماجة في الفتن باب 14 . الدارمي في كتاب البيوع باب 1 .