تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
ذلك ولو كان مجرد إخبار محمد صلى اللّه عليه وسلم كافيا لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادّعاء أنهم أحباء اللّه كافيا ويصير الاستدلال ضائعا . وأجيب بأن محل الإلزام عذاب عاجل ، والمعارضة بيوم أحد ساقطة لأنهم وإن ادعوا أنهم الأحباء لكنهم لم يدعوا أنهم الأبناء . أو عذاب آجل واليهود والنصارى يعترفون بذلك وأنهم تمسهم النار أياما معدودة . ويمكن أن يقال : المراد مسخهم قردة وخنازير بل هذا الجواب أولى ليكون الاحتجاج عليهم بشيء قد دخل في الوجود فلا يمكنهم الإنكار .
بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ
جملة
مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
ليس لأحد عليه حق يوجب أن يغفر له ولا قدرة تمنعه من أن يعذبه ، وباقي الآية تأكيد لهذا المعنى
يُبَيِّنُ لَكُمْ
في محل النصب على الحال وفيه وجهان : أن يقدر المبين وهو الدين والشرائع وحسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع ، أو هو ما كنتم تخفون وحسن حذفه لتقدم ذكره وأن لا يقدر المبين . والمعنى يبذل لكم البيان وحذف المفعول أعم فائدة . وقوله :
عَلى فَتْرَةٍ
متعلق ب
جاءَكُمْ
أو حال آخر . قال ابن عباس : أي على حين فتور من إرسال الرسل وفي زمان انقطاع الوحي . وسميت المدّة بين الرسولين من رسل اللّه فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع . وكان بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى اللّه عليه وسلم خمسمائة وستون أو ستمائة سنة . وعن الكلبي : كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي ، وبين عيسى عليه السلام ومحمد صلى اللّه عليه وسلم أربعة أنبياء ، ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي . وأما العنسي بالنون فهو المتنبئ الكاذب . والمقصود أن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وتطرق التحريف والتغيير إلى الشرائع المتقدمة وكان ذلك عذرا ظاهرا في إعراض الخلق عن العبادات ، لأن لهم أن يقولوا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادات ولكنا ما عرفنا كيف نعبدك ، فمن اللّه تعالى عليهم بإزاحة هذه العلة وذلك قوله :
أَنْ تَقُولُوا
أي كراهة أن تقولوا :
ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ
أي لا تعتذروا فقد جاءكم . والحاصل أن الفترة توجب الاحتياج إلى بعثة الرسل واللّه قادر على ذلك لأنه قادر على كل شيء ، فكان يجب في حكمته ورحمته إرسال الرسل في الفترات إلزاما للحجج وإقامة للبينات .

التأويل :

جعل في أمة موسى عليه السلام اثني عشر نقيبا ، وجعل في هذه الأمة من النجباء البدلاء أربعين رجلا كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم وسبعة على خلق موسى وثلاثة على خلق عيسى عليه السلام وواحد على خلق محمد صلى اللّه عليه وسلم » وقال أبو عثمان المغربي : البدلاء أربعون ، والأمناء سبعة ، والخلفاء ثلاثة ، والواحد هو القطب ، والقطب عارف بهم جميعا ويشرف عليهم ولا يعرفه أحد ولا يشرف عليه وهو إمام