تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
بيده على ظهر سلمان وقال : إنهم قوم هذا يريد أبناء فارس . ثم رغب الإنسان فيما عنده من الكرامة فقال :
مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا
كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة
فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
فماله يطلب الأخس بالذات مع أنه إذا طلب الأشرف تبعه الأخس . فالتقدير : فعند اللّه ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده ليحصل ربط الجزاء بالشرط
وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً
لأقوال المجاهدين والطالبين
بَصِيراً
بمطامح عيونهم ومطارح ظنونهم فيجازيهم على نحو ذلك . ثم بيّن أنّ كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله للّه وفعله للّه وحركته للّه وسكونه للّه فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ
مجتهدين في اختيار العدل محترزين عن ارتكاب الميل
شُهَداءَ لِلَّهِ
لوجهه ولأجل مرضاته كما أمرتم بإقامتها ولو كانت تلك الشهادة وبالا على أنفسكم ، أو الوالدين والأقربين بأن يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره . وفي كلام الحكماء : « إذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجى » . أو المراد الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها وأن يقول : أشهد أنّ لفلان على والدي كذا أو على أقاربي كذا . وإنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة للّه عكس قوله :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ
[ آل عمران : 18 ] لأنّ شهادة اللّه تعالى عبارة عن كونه خالقا للمخلوقات ، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية قوانين العدل في تلك المخلوقات ، والأول مقدم على الثاني . وأما في حق العباد فالعدالة مقدمة على الشهادة تقدم الشرط على المشروط فاعلم .
إِنْ يَكُنْ
المشهود عليه
غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً
فلا تكتموا الشهادة طلبا لرضا الغني أو ترحما على الفقير
فَاللَّهُ أَوْلى
بأمورهما ومصالحهما . وكان حق النسق أن لو قيل فاللّه أولى به أي بأحد هذين إلّا أنه ثنى الضمير ليعود إلى الجنسين كأنه قيل : فاللّه أولى بجنسي الفقير والغني أي بالأغنياء والفقراء يريد بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ولولا أنّ الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها . قال السدي : اختصم إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم غني وفقير وكان ميله إلى الفقير رأى أنّ الفقير لا يظلم الغني فأبى اللّه إلّا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير وأنزل الآية . وقوله :
أَنْ تَعْدِلُوا
يحتمل أن يكون من العدل أو من العدول فكأنه قيل : فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس ، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق . واحتمال آخر وهو أن يراد اتركوا الهوى لأجل أن تعدلوا أي حتى تتصفوا بصفة العدالة لأنّ العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى ، ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر .
وَإِنْ تَلْوُوا
بواوين من لوى يلوي إذا فتل ، وبواو واحدة من الولاية . والمعنى وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق وحكومة العدل
أَوْ تُعْرِضُوا
عن الشهادة بما عندكم أو إن وليتم إقامة الشهادة أو تركتموها . واعلم أن الإنسان لا يكون قائما بالقسط إلّا