تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
فرض كفاية . وقيل : المراد بالدرجة جنسها الذي يشمل الكثير بالنوع وهي الدرجات الرفيعة والمنازل الشريفة والمغفرة والرحمة . وقيل : المراد بالدرجة الغنيمة في الدنيا ، وبالدرجات مراتب الجنة . وقيل : المراد بالمجاهد الأول صاحب الجهاد الأصغر وهو الجهاد بالنفس والمال ، وبالمجاهد الثاني صاحب الجهاد الأكبر وهو المجاهد بالرياضة والأعمال . واستدلت الشيعة هاهنا بأنّ عليا رضي اللّه عنه أفضل من أبي بكر وغيره من الصحابة لأنه بالنسبة إليهم مجاهد وهم بالإضافة إليه قاعدون بما اشتهر من وقائعه وأيامه وشجاعته وحماسته . أجاب أهل السنة بأنّ جهاد أبي بكر بالدعوة إلى الدين وهو الجهاد الأكبر وحين كان الإسلام ضعيفا والاحتياج إلى المدد شديدا ، وأما جهاد علي فإنما ظهر بالمدينة في الغزوات وكان الإسلام في ذلك الوقت قويا . والحق أنه لا تدل الآية إلّا على تفضيل المجاهدين على القاعدين ، أما على تفضيل المجاهدين بعضهم على بعض فلا . قالت المعتزلة : هاهنا قد ظهر من الآية أنّ التفاوت في الفضل بحسب التفاوت في العمل ، فعلة الثواب هو العمل ولهذا سمي أجرا . وأجيب بأنّ العمل علة الثواب لكن لا لذاته بل يجعل الشارع ذلك العمل موجبا له . قالت الشافعية : الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأنّ قوله :
وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ
عام يشمل الجهاد الواجب والمندوب وهو الزائد على قدر الكفاية ، والمشتغل بالنكاح قاعد ، فالاشتغال بالجهاد المندوب أفضل منه بالنكاح . ثم لما ذكر ثواب المجاهدين أتبعه وعيد القاعدين الراضين بالسكون في دار الكفر فقال :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ
وأنه يحتمل أن يكون ماضيا فيكون إخبارا عن حال قوم انقرضوا ومضوا . عن عكرمة عن ابن عباس قال : كانوا قوما من المسلمين بمكة فخرجوا في قوم من المشركين في قتال فقتلوا معهم فنزلت الآية . ويحتمل أن يكون مستقبلا بحذف إحدى التاءين فيكون الوعيد عاما في كل من كان بهذه الصفة . قال الجمهور : معنى تتوفاهم تقبض أرواحهم عند الموت . ولا منافاة بينه وبين قوله :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ
[ الزمر : 42 ]
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
[ السجدة : 11 ] لأنه تعالى هو المتوفى والفاعل لكل الأشياء بالحقيقة إلّا أن الرئيس المفوّض إليه هذا العمل ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه . وعن الحسن :
تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
أي يحشرونهم إلى النار . أما قوله :
ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
فمنصوب على الحال عن مفعول توفي والإضافة فيه لفظية ولذا لم تفد تعريفا فصح وقوعه حالا . والظلم قد يراد به الشرك
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] فالمراد أنهم ظالمون أنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة . وقد يراد به المعصية
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ
[ فاطر : 32 ] فالمراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك غير مهاجرين إلى دار