تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
بين التحرير والدية ، وأيضا ليقع الافتتاح والاختتام بحق اللّه تعالى . ويترتب على التحرير قوله :
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ
أي رقبة بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها فعليه صيام شهرين متتابعين . ومتى يعتبر الإعسار ليجوز له العدول إلى الصوم ؟ الأصح عند الشافعي وقت الأداء ، وعند بعضهم وقت الوجوب . وأما الشهران فهما هلاليان البتة . نعم لو ابتدأ في خلال الشهر تمم المنكسر ثلاثين . والمراد بالتتابع أن لا يفطر يوما منهما ، فلو أفطر ولو بالمرض وجب الاستئناف إلّا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس . وعن مسروق أن الصوم بدل من مجموع الرقبة والدية .
تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ
أي شرع لكم ما شرع قبولا من اللّه ورحمة منه من تاب اللّه عليه إذا قبل توبته . ومعنى التوبة عن الخطأ أنه لا يخلو من ترك احتياط ومن ندم وأسف على ما فرط منه . ويجوز أن يكون المعنى نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه أي تخفيفا منه لأن التخفيف من لوازم التوبة .
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
بأنه لم يقصد ولم يتعمد
حَكِيماً
محكم الفعل لا يؤاخذ الإنسان بما لا يختار ولا يتعمد . وعند المعتزلة معنى الحكيم أن أفعاله واقعة على قانون الحكمة وقضية العدالة . ثم لما ذكر حكم القتل الخطأ أردفه ببيان حكم القتل العمد وله أحكام وجوب الدية والكفارة عند غير أبي حنيفة ومالك والقصاص كما مر في البقرة ، فلا جرم اقتصر هاهنا على بيان ما فيه من الإثم والوعيد ، ولا يخفى ما في الآية من التخويف والتهديد فلا جرم تمسكت الوعيدية بها في القطع بخلود الفاسق في النار . وأجيب بوجهين : الأول إجماع المفسرين على أنها نزلت في كافر قتل مؤمنا . روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه قتيلا في بني النجار وكان مسلما ، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكر له ذلك ، فأرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معه رسولا من بني فهر وقال له : ائت بني النجار فاقرأهم السلام وقل لهم : إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه إلى أخيه فيقتص منه ، وإن لم تعلموا له قاتلا أن تدفعوا إليه ديته . فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : سمعا وطاعة للّه ولرسوله ، واللّه ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي إليه ديته فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة وبينهما وبين المدينة قريب ، فأتى الشيطان مقيسا فوسوس إليه فقال : أي شيء صنعت تقبل دية أخيك فيكون عليك مسبة ؟ اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية . فرمى الفهري بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيرا منها وساق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا وجعل يقول في شعره : قتلت به فهرا وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارع وأدركت ثأري واضطجعت موسدا * وكنت إلى الأوثان أول راجع