للأمانة وبراءة من التهمة . ولكن اختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه فهل هو مصدق ؟ فقال أبو حنيفة وأصحابه : يصدق بيمينه كسائر الأمناء . وقال مالك والشافعي : لا يصدق إلا بالبينة لأنه تعالى نص على الإشهاد فقال :
فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ
وظاهر الأمر للوجوب ، ولأنه أمين من جهة الشرع لا من جهة اليتيم ، وليس له نيابة عامة كالقاضي ، ولا كمال الشفقة كالأب . نعم يصدق في قدر النفقة وفي عدم التقتير والإسراف لعسر إقامة البينة على ذلك وتنفيره الناس عن قبول الوصاية
وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً
أي كافيا في الشهادة عليكم بالدفع والقبض ، أو محاسبا كالشريب بمعنى المشارب ، وفيه تهديد للولي ولليتيم أن يتصادقوا ولا يتكاذبوا . والباء في
بِاللَّهِ
زائدة نظرا إلى أصل المعنى وهي كفى اللّه . و
حَسِيباً
نصب على التمييز ، ويحتمل الحال . ثم من هاهنا شرع في بيان المواريث والفرائض .
قال ابن عباس : إن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كحة وثلاث بنات له منها . فقام رجلان - هما ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة - فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا ، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا ، إنما يورثون الرجال الكبار وكانوا يقولون لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة . قال :
فجاءت أم كحة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه ، إن أوس بن ثابت مات وترك لي بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن ، وقد ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته من المال شيئا . فدعاهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالا : يا رسول اللّه ولدها لا يركب فرسا ، ولا يحمل كلا ، ولا ينكي عدوّا . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : انصرفوا حتى انظر ما يحدث اللّه لي فيهن . فانصرفوا فأنزل اللّه
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ
الآية . فبعث إليهما لا تقربا من مال أوس شيئا فإن اللّه قد جعل لهن نصيبا ، ولم يبين حتى يتبين فنزلت
يُوصِيكُمُ اللَّهُ
فأعطى أم كحة الثمن ، والبنات الثلثين ، والباقي ابني العم .
وسبب الإجمال في الآية ثم التفصيل فيما بعد ، هو أن الفطام من المألوف شديد ، والتدرج في الأمور دأب الحكيم ، وهكذا قد نزل الأحكام والتكاليف شيئا بعد شيء إلى أن كملت الشريعة الحقة وتم الدين الحنيفي
مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ
بدل
مِمَّا تَرَكَ
بتكرير العامل و
نَصِيباً مَفْرُوضاً
نصب على الاختصاص تقديره أعني نصيبا ومقطوعا مقدرا لا بد لهم أن يحوزوه ، أو على المصدر المؤكد كأنه قيل : قسمة مفروضة . احتج بعض أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام كالعمات والخالات والأخوال وأولاد البنات ، لأن الكل من الأقربين . غاية ما في الباب أن مقدار أنصبائهم غير مذكور هاهنا إلا أنا