الرياض ومشرب من الحياض فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [ الزخرف : 71 ] و قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ [ البقرة : 60 ] .
ثم أكد حديث الحشر بقصة عن خليله صلى اللّه عليه وسلم وذلك قوله رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى فيفوح منه رائحة قول موسى رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] إلا أن موسى لم يحفظ الأدب في الطلب فما رأى غير النصب والتعب ، وأدب بتأديب الخاطئ الجاني ، وعرك بتعريك لَنْ تَرانِي وذلك أنه كان صاحب شرب وكان الخليل صاحب ري ، وصاحب الشرب سكران ، وصاحب الري صاح .
فلسكر موسى كان يبسط تارة مع الحق بقوله رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] ويعربد أخرى بقوله إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [ الأعراف : 155 ] ومن كمال صحو الخليل ما زل قدمه في أدب من آداب العبودية في الحضور والغيبة فلا جرم أكرم اليوم بكرامة الشيبة « إن أول ما شاب شيبة إبراهيم » ويحترم غدا بالكسوة « إن أول من يكسى إبراهيم » « 1 » ولما ابتلي في ماله فبذل للضيفان وابتلي في ولده فأسلم وتله للجبين وابتلي في نفسه فاستسلم لمنجنيق ابن كنعان ، وابتلي بجبرائيل فقال : أما إليك فلا . لا جرم أكرمه اللّه بالإمامة إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [ البقرة : 124 ] ومن إمامته أنه كان أول من دق باب طلب الحق وقال هذا رَبِّي [ الأنعام : 76 ] وأول من سلك طريق الحق وقال إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي [ الصافات : 69 ] وأول من نطق بالمحبة وقال لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [ الأنعام : 76 ] وأول من أظهر الشوق وقال لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [ الأنعام : 78 ] وأول من أظهر العداوة مع غير المحبوب فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 77 ] وأول من اشتاق فسأل الرؤية وقال رَبِّ أَرِنِي ولا تظن أن اشتياقه إلى الرب إنما كان وقت سؤاله .