لك . الرابع : لا يبعد أن يقال : إنه لما جاء الملك إلى إبراهيم وأخبره بأن اللّه بعثك رسولا إلى الخلق طلب المعجزة ليطمئن قلبه على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم . الخامس :
لعله طالع في الصحف المنزلة عليه أن اللّه تعالى يحيي الموتى بدعاء عيسى ، فطلب ذلك ليطمئن قلبه أنه ليس أقل منزلة عند اللّه من عيسى وأنه من أولاده . السادس : أمر بذبح الولد فسارع إلى ذلك فقال : إلهي ، أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح فامتثلت فشرفني بأن تجعل بدعائي فاقد الروح ذا روح . السابع : أراد أن يخصصه اللّه بهذا التشريف في الدنيا بأن جميع الخلائق يشاهدون الحشر في الآخرة . الثامن : لعل إبراهيم لم يقصد إحياء الموتى بل قصد سماع الكلام بلا واسطة . وأما أن إبراهيم عليه السلام كان شاكا في المعاد فلا ينبغي أن يعتقد فيه ، ومن كفر النبي المعصوم فهو بالكفر أولى وكيف يظن ذلك بإبراهيم عليه السلام وقوله
بَلى
اعتراف بالإيمان ، وقوله
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
كلام عارف طالب لمزيد اليقين .
والشك في قدرة اللّه يوجب الشك في نبوّة نفسه ، والذي
جاء في الحديث من قوله صلى اللّه عليه وسلم « نحن أحق بالشك من إبراهيم » « 1 »
فذلك أنه لما نزلت هذه الآية قال بعض من سمعها : شك إبراهيم ولم يشك نبينا .
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تواضعا منه وتقديما لإبراهيم على نفسه « نحن أحق بالشك منه » « 2 »
والمعنى أننا لم نشك ونحن دونه ، فكيف يشك هو ؟ والاستفهام في قوله
أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ
للتقرير كقوله : ألستم خير من ركب المطايا ؟ وأيضا المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه صلى اللّه عليه وسلم كان مؤمنا بذلك عارفا به ، وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر . واللام في قوله
لِيَطْمَئِنَّ
تتعلق بمحذوف أي ولكن سألت ليزيد قلبي سكونا وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال . وقد تعرض الخواطر للمستدل بخلاف المعاين ، هذا إذا قلنا : المطلوب حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة اللّه تعالى على الإحياء ، أما إذا قلنا : إن الغرض شيء آخر فلا إشكال
فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ
عن ابن عباس : هنّ طاوس ونسر وغراب وديك . وفي قول مجاهد وابن زيد : حمامة بدل النسر
فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
بضم الصاد وكسرها من صاره يصوره ويصيره أي أملهن وضمهن إليك .
وقال الأخفش : يعني وجههنّ إليك . وفائدة أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها أن يتأملها ويعرف أشكالها وهيئتها وحلاها كيلا تلتبس بعد الإحياء ، ولا يتوهم أنها غير تلك . وفي الآية حذف كأنه قبل أملهن وقطعهن
ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً
وقيل : معنى صرهن قطعهن فلا إضمار .
روي أنه أمر بذبحها ونتف ريشها وأن يقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط
هامش
( 1 ، 2 ) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب 11 . مسلم في كتاب الإيمان حديث 238 . ابن ماجة في كتاب الفتن باب 23 . أحمد في مسنده ( 2 / 326 ) .