تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
حُسْناً
[ البقرة : 83 ] والغرض منه المبالغة كما يقال : فلان جود وعدل إذا كان غاية في الجود ونهاية في العدل . وهاهنا نكتة وهي أنه أدخل « من » التبعيضية في الآية المتقدمة في قوله :
نُؤْتِهِ مِنْها
في الموضعين ، ولم يذكر في هذه الآية . لأن أولئك اشتغلوا بالثواب عن العبودية فلم ينالوا إلا البعض ، بخلاف هؤلاء فإنهم لم يذكروا أنفسهم إلا بالعيب والقصور ولم يسألوا ربهم إلا ما يوجب إعلاء كلمته ، فلا جرم فازوا بالكل . وفيه تنبيه على أن من أقبل على خدمة اللّه أقبل على خدمته كل ما سوى اللّه . ثم قال
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
والإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه . وهاهنا سر وهو أنه تعالى وفقهم للطاعة ثم أثابهم عليها ثم مدحهم على ذلك فسماهم محسنين ، ليعلم العبد أن الكل بعنايته وفضله .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا
عن السدي : المراد بالذين كفروا هو أبو سفيان وأصحابه فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم . والمعنى إن تستكينوا لهم وتستأمنوهم . وعن علي عليه السلام : هم المنافقون عبد اللّه بن أبيّ وأشياعه قالوا للمؤمنين عند الهزيمة : ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم . وعن الحسن : هم اليهود والنصارى يستغوونهم ويوقعون لهم الشبهة في الدين ولا سيما عند هذه الواقعة كانوا يقولون : لو كان نبيا حقا لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوم له ويوم عليه . والأقرب أنه عام في جميع الكفار فإن خصوص السبب لا ينافي إرادة العموم ، فعلى المؤمنين أن لا يطيعوهم في شيء ولا ينزلوا على حكمهم وعلى مشورتهم حتى لا يستجرّوهم إلى موافقتهم وهو المراد بقوله :
يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
أي إلى الكفر بعد الإيمان
فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ
في الدنيا باستبدال ذلة الكفر بعزة الإسلام والانقياد للأعداء الذي هو أشق الأشياء لدى العقلاء ، وفي الآخرة بالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد .
بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ
ناصركم وهو إضراب عما كانوا بصدده من طاعة الكفار . والمعنى أنكم إنما تطيعون الكفار لينصروكم ويعينوكم على مطالبكم وهذا خطأ وجهالة لأنهم عاجزون مثلكم متحيرون ، وبغير إذن اللّه لا ينفعون ولا يضرون .
وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ
لو فرض أن لأحد سواه قدرة على النصر لأنه خبير بمواقع الحاجات ، قدير على إنجاز الطلبات ، ينصر في الدنيا والآخرة بلا شائبة علة من العلات ، ونصرة غيره لو فرض فإنه مخصوص بالدنيا وببعض الأمور وفي بعض الأوقات ولغرض من الأغراض الفاسدات ، كيف ولا ناصر بالحقيقة سواه .

التأويل :

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
أن تلجوا عالم الملكوت ولم تظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات ولا الصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق