وصلت إلى محاذاتها . ومنها أن الحيوانات المتضادة في الطبائع لا يؤذي بعضها بعضا عنده كالكلاب والظباء . ومنها أمن سكانها فلم ينقل البتة أن ظالما هدم الكعبة أو خرب مكة بالكلية ، وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية ، وقصة أصحاب الفيل سوف تجيء في موضعها إن شاء العزيز . ومنها أنه تعالى وضعها بواد غير ذي زرع لفوائد منها : أنه قطع بذلك رجاء أهل حرمه وسدنة بيته عمن سواه حتى لا يتوكلوا إلا على اللّه . ومنها أنه مع كونه كذلك يجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة خليله إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم وإنه من أعظم الآيات .
ومنها أن لا يسكنها أحد من الجبابرة لأنهم يميلون إلى طيبات الدنيا ، فيبقى ذلك الموضع المنيف والمقام الشريف مطهرا عن لوث وجود أرباب الهمم الدنية . ومنها أن لا يقصدها الناس للتجارة بل يأتون لمحض العبادة والزيارة . ومنها أنه تعالى أظهر بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيت في أقل المواضع نصيبا من الدنيا فكأنه تعالى يقول : جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين لأجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين . ومنها كأنه قيل : كما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في قلب خال عن محبة الدنيا
لَلَّذِي بِبَكَّةَ
. للبيت الذي ببكة . قال في الكشاف : وهي علم للبلد الحرام . ومكة وبكة لغتان كراتب وراتم . وضربة لازم ولازب مما يعتقب فيه الميم والباء لتقارب مخرجهما . وقيل : مكة البلد وبكة موضع المسجد . وفي الصحاح بكة اسم لبطن مكة . وأما اشتقاق بكة فمن قولهم بكه إذا زحمه ودفعه ، وعن سعيد بن جبير : سميت بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة . قال بعضهم : رأيت محمد بن علي الباقر يصلي . فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال : دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضا ، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي ولا بأس بذلك في هذا المكان . ويؤكد هذا قول من قال : إن بكة موضع المسجد لأن المطاف هناك وفيه الازدحام . ولا شك أن بكة غير البيت لأن الآية تدل على أن البيت حاصل في بكة ، والشيء لا يكون ظرفا لنفسه . وقيل :
سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها ، لم يقصدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه .
وأما مكة فاشتقاقها من قولك أمتك الفصيل ضرع أمه إذا امتص ما فيه واستقصى ، فسميت بذلك لأنها تجذب الناس من كل جانب وقطر أو لقلة مائها كأن أرضها امتصت ماءها .
وقيل : إن مكة وسط الأرض ، والعيون والمياه تنبع من تحتها ، فكأن الأرض كلها تمك من ماء مكة . ثم إنه تعالى وصف البيت بكونه مباركا وهدى للعالمين . أما انتصابه فعلى الحال من الضمير المستكن في الظرف ، لأن التقدير للذي ببكة هو والعامل فيه معنى الاستقرار .