البعث ، فإن التأمل يجعلها محكمة ، فإن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة . فإن عنى الأصم بوضوح الدلائل رجحانها ، وبالخفاء خلاف ذلك ، فهذا هو الذي ذكرنا من أن المحكم عبارة عن النص والظاهر ، والمتشابه المجمل والمؤول . وإن عنى بالواضح ما تعلم صحته بضرورة العقل ، وبالخفي ما تعرف صحته بدليل العقل ، فكل القرآن متشابه . فإن إنشاء الخلق أيضا يفتقر إلى دليل عقلي ، فإن الدهري ينسب ذلك إلى الطبيعة ، والمنجم إلى تأثير الكواكب . ولعل الأصم يسمي ما هو الأبعد عن الغلط لقلة مقدماته وضبطها محكما ، والذي هو غير ذلك متشابها . وقيل : كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي أو دليل خفي فهو المحكم ، وكل ما لا سبيل إلى معرفته كالعلم بوقت القيامة وبمقادير الثواب والعقاب في حق كل مكلف فذاك متشابه .
المسألة الثالثة في أنه لم جعل بعض القرآن محكما وبعضه متشابها . من الملحدة من طعن فيه وقال : كيف يليق بالحكيم أن يجعل كتابه المرجوع إليه في دينه ، الموضوع إلى يوم القيامة بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب ، فمثبت الرؤية يتمسك بقوله
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
[ القيامة : 22 ، 23 ] ونافيها يتشبث بقوله
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
[ الأنعام : 103 ] ومثبت الجهة
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
[ النحل : 50 ]
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] والنافي
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] فكل منهم يسمي الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والمخالفة متشابهة ، وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى وجوه ضعيفة وتراجيح خفية ، وهذا لا يليق بالحكمة مع أنه لو جعل كله ظاهرا جليا خالصا عن المتشابه نفيا كان أقرب إلى حصول الغرض . والجواب أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق ، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب . وأيضا لو كان كله محكما كان مطابقا لمذهب واحد فقط فكان ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه والانتفاع به ، وإذا كان مشتملا على القسمين فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مقالته فيجتهد في فهم معانيه ، وبعد الفحص والاستكشاف ، صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات ، ويتخلص المبطل عن باطلة ويصل إلى الحق . وأيضا إذا كان فيه محكم ومتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بالدلائل العقلية ، فيتخلص من ظلمة التقليد إلى ضياء البينة والاستدلال والطمأنينة ، وافتقر أيضا إلى تحصيل علوم أخر كالصرف والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه وأصول الكلام إلى غير ذلك ، ولما في المشابهة من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه . وهاهنا سبب أقوى وهو أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام ، وطباع العامة تنبو في