تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
أمك . فقال : ولم يا أخي ؟ فقال : إنه واللّه النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي ننتظره . فقال له أخوه كرز : فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا ؟ قال : لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالا كثيرة وأكرمونا . فلو آمنا بمحمد لأخذوا منا كل هذه الأشياء . فوقع ذلك في قلب أخيه كرز وكان يضمره إلى أن أسلم ، وكان يحدث بذلك ، ثم تكلم أولئك الثلاثة - الأمير والسيد والحبر - مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على اختلاف من أديانهم . فتارة يقولون عيسى هو اللّه ، وتارة ابن اللّه ، وتارة ثالث ثلاثة ، ويحتجون لقولهم هو « اللّه » بأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير ، ويحتجون في قولهم « إنه ولد اللّه » بأنه لم يكن له أب يعلم ، ويحتجون على « ثالث ثلاثة » بقول اللّه تعالى : « فعلنا وفعلنا » ولو كان واحدا لقال « فعلت » . وقد حان وقت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : دعوهم . فصلوا إلى المشرق ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أسلموا . فقالوا : قد أسلمنا قبلك . فقال صلى اللّه عليه وسلم : كذبتم . كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون للّه ولدا ، وتعبدون الصليب وتأكلون الخنزير ؟ قالوا : فمن أبوه ؟ فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه تعالى في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها آية المباهلة . ثم أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يناظر معهم فقال : ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه ؟ قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أنه حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟ قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه ؟ فهل يملك عيسى شيئا من ذلك ؟ قالوا : لا . قال : ألستم تعلمون أن اللّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فهل يعلم عيسى شيئا من ذلك إلا ما علم ؟ قالوا : لا . قال : فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء ، فهل تعلمون ذلك ؟ قالوا : بلى قال : ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث ، وتعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة وغذي كما يغذى الصبي ، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث ؟ قالوا : بلى . فقال صلى اللّه عليه وسلم : فكيف يكون هو كما زعمتم ؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا ثم قالوا : يا محمد ، ألست تزعم أنه كلمة اللّه وروح منه ؟ قال : بلى ، قالوا : فحسبنا . ففي ذلك نزل
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
الآية . وتمام القصة سيجيء في آية المباهلة إن شاء اللّه تعالى . واعلم أن مطلع هذه السورة له نظم عجيب ونسق أنيق . وذلك أن أولئك النصارى كأنه قيل لهم : إما أن تنازعوه في شأن الإله أو في أمر النبوة . أما الأول فالحق فيه معه لأنه تعالى حيّ قيوم كما مر في تفسير آية الكرسي ، وأن عيسى ليس كذلك لأنه ولد وكان يأكل ويشرب