تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 661

مساهمون:

ص٦٦١
فخافوا القتال فهربوا وقالوا لملكهم : إن الأرض التي نذهب إليها فيها الوباء ، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء . فأماتهم اللّه بأسرهم وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا . وبلغ بني إسرائيل موتهم فخرجوا لدفنهم فعجزوا من كثرتهم فحظروا عليهم الحظائر وأحياهم اللّه تعالى بعد الثمانية ، فبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم وقيل : إن حزقيل النبي ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا فأرسل اللّه تعالى عليهم الموت ، فلما كثر فيهم الموت خرجوا من ديارهم فرارا من الموت ، فلما رأى حزقيل ذلك قال : اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك . فأرسل اللّه عليهم الموت فلما رآه عليه السلام ضاق قلبه فدعا مرة أخرى فأحياهم اللّه تعالى . أما قوله سبحانه
وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ
ففيه دليل على الألوف الكثيرة ولكنهم اختلفوا . فقيل : عشرة آلاف ، وقيل : ثلاثون ، وقيل : سبعون . وعن بعضهم أن الألوف جمع آلف كقعود جمع قاعد أي خرجوا وهم مؤتلفو القلوب ، وزيف بأن ورود الموت عليهم وفيهم كثرة يفيد مزيد اعتبار بحالهم بخلافهم لو كانوا نفرا يسيرا . فأما ورود الموت على قوم بينهم ائتلاف ومحبة فكوروده على قوم بينهم اختلاف كثير في أن وجه الاعتبار لا يتغير ، وقد يوجه بأن المراد إلفهم بالدنيا ومحبتهم لها فأهلكوا ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه عن الفوت . و
حَذَرَ الْمَوْتِ
مفعول لأجله .
فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا
معناه فأماتهم وجيء بهذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد ، وأنها خارجة عن العادة ولا أمر ولا قول كما مر في قوله
سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ مريم : 35 ] ويدل عليه قوله
ثُمَّ أَحْياهُمْ
وإذا صح الإحياء بلا قول فكذا الإماتة . ويحتمل أنه تعالى أمر الرسول بأن يقول لهم موتوا . والظاهر أنهم لم يكونوا رأوا عند الموت من الأهوال والأحوال ما تصير بها معارفهم ضرورية ويمنع من صحة التكليف بعد الإحياء كما في الآخرة . وقال قتادة : إنما أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم .
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
تفضل عليهم بأن خرجوا من الدنيا على المعصية فأعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة والتلافي ، وتفضل على منكري المعاد باقتصاص خبرهم ليستبصروا ويعتبروا ، وذلك أن تركب الأجزاء على الشكل المخصوص ممكن وإلا لما وجد أولا ، وإذا كان ممكنا في نفسه ، وقد أخبر الصادق بوجوده وجب القطع به . وفي القصة تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة ، وأن الموت إذا لم ينفع منه الفرار فأولى أن يكون في سبيل اللّه ، ولهذا أتبعت بقوله
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ثم إن كان هذا الأمر خطابا للذين أحياهم على ما قال الضحاك أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد ، فلا بد من إضمار تقديره ،
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 661 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات