الإنسان بل هو واسطة بين الروح والجسد فكأنه قيل : حافظوا على صورة الصلوات بشرائطها ، وحافظوا على معاني الصلوات وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة وبعدها . ثم إن الشافعي احتج بالآية على أن الوتر ليس بواجب وإلا كانت الصلوات ستا فلم يبق لها وسطى . وهذا إنما يتم لو كان المراد الوسطى في العدد ، لكنه يحتمل أن يكون الوسطى في الفضيلة من قوله
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] أو الوسطى في الزمان وهو الظهر ، أو الوسطى في المقدار كالمغرب فإنه ثلاث ركعات فيتوسط بين الاثنتين والأربع ، أو الوسطى في الصفة كصلاة الصبح يتوسط بين صفتي الظلام والضياء
وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
عن ابن عباس أن القنوت هو الدعاء والذكر لقوله تعالى
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً
[ الزمر : 9 ] ولأن قوله
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ
أمر بما في الصلاة من الفعل فيكون القنوت عبارة عن كل ما في الصلاة من الذكر . وعن الحسن والشعبي وسعيد بن جبير وطاوس وقتادة والضحاك ومقاتل : قانتين أي مطيعين لما
روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كل قنوت في القرآن فهو الطاعة » « 1 »
وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ
[ الأحزاب : 31 ]
فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ
[ النساء : 34 ] فالقنوت عبارة عن إكمال الطاعة والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها وآدابها . وفيه زجر لمن لم يبال كيف صلى فخفف واقتصر على ما لا يجزى وذهب إلى أنه لا حاجة للّه إلى صلاة العباد ، ولو كان كما قالوا وجب أن لا يصلي أصلا لأنه تعالى كما لا يحتاج إلى الكثير من عبادتنا فكذلك لا يحتاج إلى القليل ، وقد صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسائر الرسل والسلف الصالح فأطالوا وخشعوا واستكانوا وكانوا أعلم باللّه من هؤلاء الجهال وقيل : قانتين ساكتين . عن زيد بن أرقم وعبد اللّه بن مسعود كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت
وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام . وعن مجاهد : القنوت عبارة عن الخشوع وخفض الجناح وسكون الأطراف ، وكان أحدهم إذا صلى خاف ربه فلا يلتفت ، ولا يقلب الحصى ، ولا يبعث بشيء من جسده . ولا فحذف المفعول به للعلم به أو فإن حصل لكم خوف أو كنتم على حالة الخوف على أنه متروك المفعول
فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً
أي فصلوا راجلين أو راكبين . وقيل : المعنى فإن خفتم فوات الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم فصلوا رجالا أو ركبانا . وعلى هذا فالآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص لأجل المحافظة عليه بترك القيام والركوع والسجود . ورجالا جمع راجل كقيام جمع قائم وتجار جمع تاجر ، أو جمع رجل يقال :
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 3 / 75 ) .