تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
الرجاء والخوف عمن سواه . قوله
وَلِأُتِمَّ
قيل : معطوف على
لِئَلَّا
أي حوّلتكم إلى هذه القبلة لحكمتين : إحداهما انقطاع حجتهم ، والثانية إتمام النعمة بحصول شرف قبلة إبراهيم . وقيل : متعلقة محذوف معناه ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك . وقيل : معطوف على علة مقدرة كأنه قال : واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم وهذا الإتمام لا ينافي ما أنزل في آخر عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
[ المائدة : 3 ] فإن للّه تعالى في كل وقت نعمة على المكلفين ولها تمام بحسبها ، فهذا إتمام النعمة في أمر القبلة ، وذاك تمام النعمة في أمر الدين على الإطلاق وعن علي عليه السلام : تمام النعمة الموت على الإسلام . وفي الحديث « تمام النعمة دخول الجنة » « 1 »
كَما أَرْسَلْنا
« ما » مصدرية أو كافة . ثم إن الجار والمجرور يتعلق بما قبله أو بما بعده . وعلى الأول قيل : معناه ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف وفي الآخرة بالفوز بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول ، أو لأتم نعمتي ببيان الشرائع ، أو أهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم حيث قال
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا
[ البقرة : 128 ] كما أرسلنا فيكم رسولا إجابة لدعوته حيث قال
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا
[ البقرة : 129 ] وقيل : معناه كذلك جعلناكم أمة وسطا كما أرسلنا فيكم رسولا ، وعلى الثاني معناه كما ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني أذكركم تارة أخرى . وفيه أن نعمه على العبد لا تنقطع ، فكل نعمة سابقة فسيضم إليها أخرى لاحقة حتى يكون له الفضل أولا وأخيرا وبداية ونهاية . وفي إرساله فيهم ومنهم أي من العرب نعمة عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف ، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير فبعثه اللّه تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب . وكون القرآن متلوا من أعظم النعم لأنه معجزة باقية ولأنه يتلى فتتأدى به العبادات ، ولأنه يتلى فتستفاد منه جميع العلوم ، ولأنه يتلى فيوقف على مجامع الأخلاق الحميدة ففي تلاوته خير الدنيا والآخرة . ومعنى التزكية وتعليم الكتاب والحكمة قد مر في دعاء إبراهيم . وفي قوله
يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
تنبيه على أنه تعالى أرسله على فترة من الرسل وجهالة من الأمر وتحير الناس في أمر الديانة ، فعلمهم ما احتاجوا إليه في صلاح معاشهم ومعادهم وذلك من أعظم أنواع النعم
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
تكليف بأمرين : الذكر والشكر . وقد مر ذكر الشكر في تفسير الحمد وقوله
وَلا تَكْفُرُونِ
عطف بالواو ليعلم أن جحود النعمة منهيّ عنه كما أن الشكر مأمور به . ولو قطع على طريقة قوله :
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في كتاب الدعاء باب 93 . أحمد في مسنده ( 5 / 231 ، 235 ) .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 437 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات