لم يبق الإبهام . ولم قال هاهنا
ادْخُلُوا
وهناك
اسْكُنُوا
؟ لأن الدخول مقدم على السكون ، « والبقرة » مقدمة في الذكر على « الأعراف » . ولم قال في « البقرة »
فَكُلُوا
وفي « الأعراف »
وَكُلُوا
بالواو ؟ لما بينا في قوله
وَكُلا مِنْها رَغَداً
. ولم قال في « البقرة »
خَطاياكُمْ
وفي « الأعراف »
خَطِيئاتِكُمْ
؟ لأن الخطايا جمع الكثرة ، والخطيئات جمع السلامة للقلة ، وقد أضاف القول هاهنا إلى نفسه فكان اللائق بكرمه غفران الذنوب الكثيرة ، وهناك لم يذكر الفاعل فلم يكن ذكر اللفظ الدال على الكثرة واجبا . ولمثل هذا الجواب ذكر هاهنا
رَغَداً
ليدل على الإنعام الأتم ، ولم يذكر في « الأعراف » ، ولم قال هاهنا
وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ
وفي « الأعراف » بالعكس ؟ لأن الواو للجمع المطلق ، ولأن المخاطبين صنفان : محسن ومذنب . واللائق بالمحسن تقدم العبادة والخضوع ، ثم ذكر التوبة على سبيل هضم النفس وإزالة العجب . واللائق بالمسيء عكس ذلك ، ولأنه ذكر في هذه السورة
ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ
فقدم كيفية الدخول . ولم قال في « البقرة »
وَسَنَزِيدُ
وفي « الأعراف »
سَنَزِيدُ
؟ لأنه في « الأعراف » ذكر أمرين : قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة ، ودخول الباب وهو إشارة إلى العبادة . ثم ذكر جزاءين أحدهما الغفران والآخر الزيادة ، فترك الواو ليفيد توزيع الجزاءين على الشرطين . وفي « البقرة » وقع مجموع المغفرة والزيادة جزاء لمجموع الفعلين ، أعني دخول الباب وقول الحطة ، فاحتيج إلى الواو وأيضا الاتصال اللفظي حاصل في هذه السورة بين قوله
وَإِذْ قُلْنَا
وبين قوله
وَسَنَزِيدُ
بخلاف « الأعراف » لأن اللائق به في الظاهر سيزاد ، فحذف الواو ليكون استئنافا للكلام . وما الفائدة في زيادة كلمة
مِنْهُمْ
في الأعراف ؟ لأن أول القصة مبني على التخصيص
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
[ الأعراف : 159 ] فذكر أن منهم من يفعل ذلك ، ثم عدد صنوف إنعامه وأوامره عليهم ، فلما انتهت القصة قال
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
فهناك ذكر أمة عادلة وأمة جائرة فصار آخر الكلام مطابقا لأوله ، وأما في البقرة فلم يذكر في أول الآيات تمييزا وتخصيصا حتى يلزم في آخر القصة مثل ذلك . لم قال في « البقرة »
فَأَنْزَلْنا
وفي « الأعراف »
فَأَرْسَلْنا
لأن الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر ، والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصالهم بالكلية ، وذلك إنما يحدث بالآخرة . وقيل : لأن لفظ الإرسال في « الأعراف » أكثر فروعي التناسب . لم قال في « البقرة »
بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
وفي « الأعراف »
يَظْلِمُونَ
لأنه لما بين في البقرة كون الظلم فسقا اكتفى بذلك البيان في « الأعراف » . وأيضا إنهم ظلموا أنفسهم وخرجوا عن طاعة اللّه تعالى ، فوصفهم بالأمرين في موضعين واللّه أعلم .