وبالجملة ، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء ، فلم يمس بعد أن كان مسجود الملك مرفوع السماك إلى السماك مشمول الرعاية موفور العناية حتى نزع عنه لباس الأمن والفراغ ، وبدل باستئناسه الاستيحاش ، تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج من غير مكث ولا بحث ، فأزلتهما يد التقدير بحسن التدبير ، وكان الشيطان المسكين كذئب يوسف لطخ خرطومه بدم نصح ، فلما وقعا من القربة في الغربة ، ومن الألفة في الكلفة لما ذاقا من شجرة المحبة المورثة للمحنة استوحشا من كل شيء ، واتخذا عدوّا بعضكم لبعض عدو ، وهكذا شرط المحبة عداوة ما سوى المحبوب . فكما أن ذاته لا تقبل الشركة في التعبد ، كذلك لا تقبل الشركة في المحبة . فلما استقرت حبة المحبة في أرض قلب آدم جعل الأرض مستقر شخصه ليتمتع بتربية بذر المحبة بماء الطاعة والتكليف إلى حين إدراك ثمرة المعرفة وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم « إن داود قال : يا رب لم خلقت الخلق ؟ فقال : كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف » . ثم إنه بعد ما ابتلي بالهبوط بشره بأن وحيه لا ينقطع وهدايته لا ترتفع ، وإن من ربى بذر المحبة بماء الطاعة والطباعة فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في المستقبل وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما مضى من الهبوط إلى الأرض ، لأنهم يرجعون بجذبات العناية والهداية إلى ذرى حظائر القدس وباللّه التوفيق .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 40 إلى 46 ]
القراءات :
إِسْرائِيلَ بغير همزة حيث كان : يزيد وحمزة في الوقف نِعْمَتِيَ وكذلك ما بعدها ساكنة الياء : أبو زيد عن المفضل فَارْهَبُونِ فَاتَّقُونِ بالياء في الحالين : يعقوب ، وكذلك كل ياء محذوفة في الخط عند رأس الآية . وروى مسيح بن حاتم وابن دريد عن سهل وعباس بالياء في الوصل . أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ممالة : قتيبة وأحمد بن فرج
الوقوف :
فَارْهَبُونِ ( ه ) ربع الجزء . كافِرٍ بِهِ ( ص ) لاتفاق الجملتين وعلى قَلِيلًا أجوز لاختلاف النظم بتقديم المفعول . فَاتَّقُونِ ( ه ) تَعْلَمُونَ