تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وإقامة البينة عليهم ظاهرا
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا
[ القصص : 47 ] وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم في أصل الخلقة ناقصون أشقياء . وهذا المعنى ربما لا يظهر لهم أيضا لغاية نقصانهم كما أن الأكمه ربما لا يصدق البصراء ولا يعرف أن التقصير والنقصان منه ، وأن سائر الشرائط من محاذاة المرئي وظهور النير موجودة وإنما يعرف نقصانهم أرباب الأبصار . وأما حديث التفرقة الضرورية بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية كالرعشة مثلا فأقول : لا ريب أن للإنسان إرادات وقوى بها يتم له حصول الملائم واجتناب المنافي ، إلا أن تلك الإرادات والقوى مستندة إلى اللّه تعالى ، فكأنه لا اختيار له . والتفرقة المذكورة سببها في أن الرعشة نقصت واسطة هي الداعية ، وفي الحركة المسماة بالاختيارية زادت واسطة فافهم هذه الحقائق والإشارات واستعن بها في سائر ما يقرع سمعك من هذا القبيل ، فلعلنا لا نكررها في كل موضع حذرا من التطويل . ومن لم يستضىء بمصباح لا يستفيد بإصباح
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
[ الأحزاب : 4 ] . التاسعة : العذاب مثل النكال ؛ بناء ومعنى ، لأنك تقول : أعزب عن الشيء إذا أمسك عنه كما تقول : نكل عنه . ومنه العذاب لأنه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده . ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذابا وإن لم يكن نكالا أي عقابا يرتدع به الجاني عن المعاودة . والفرق بين العظيم والكبير ، أن العظيم نقيض الحقير ، والكبير نقيض الصغير ، ويستعملان في المعاني والأعيان جميعا . تقول : رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره . ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعا من الأغطية غير ما يتعارفه الناس ، وهو غطاء التعامي عن آيات اللّه . ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا اللّه نعوذ باللّه منه . العاشرة : اتفق المسلمون أكثرهم على أنه يحسن من اللّه تعالى تعذيب الكفار . وقال بعضهم : لا يحسن ، وفسروا قوله « ولهم عذاب عظيم » وكذا كل وعيد ورد في القرآن بأنهم يستحقون ذلك ، لكن كرمه يوجب عليه العفو . وذكروا أيضا دلائل عقلية مبنية على الحسن والقبح كقولهم : التعذيب ضرر خال عن المنفعة لأن اللّه تعالى منزه عن ذلك والعبد يتضرر به ، ولو سلم أنه ينتفع به فاللّه قادر على إيصال النفع إليه من غير توسط ذلك العذاب ، والضرر خال عن المنافع قبيح بالبديهة . وكقولهم : علم أن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان ، فتكليفه أمرا متى لم يفعل ترتب عليه العذاب ، وما كان مستعقبا للضرر من غير نفع كان قبيحا ، فلم يبق إلا أن يقال : لم يوجد هذا التكليف ، أو وجد لكنه لا يستعقب العقاب .