البحث الرابع في قوله « هدى للمتقين » وفيه مسائل :
الأولى : في حقيقة الهدى هو مصدر على فعل كالسرى وهو على الأصح عبارة عن الدلالة . وقيل : بشرط كونها موصلة إلى البغية بدليل وقوعه في مقابل الضلالة
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
[ البقرة : 16 ] ولأنه يقال مهدي في معرض المدح . فلو احتمل أن يقال هدى فلم يهتد لم يكن مدحا ، ولأن مطاوعه « اهتدى » فيلزمه . وأجيب بأن مقابل الضلالة الاهتداء لا الهدى . وبأن قولنا « مهدي » إنما أفاد المدح لأنه من المعلوم أن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت كالعدم ، وبالمنع من أن اهتدى لازم هدى لزوما كليا إذ يصح في العرف أن يقال : هديته فلم يهتد ، قال عزّ من قائل :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ فصلت : 17 ] وقال بعضهم : الهدى الاهتداء ، فإن زعم مطلقا فخطأ لوقوع صفة للقرآن ، وإن زعم حينا فصحيح لوقوعه في مقابلة الضلالة .
الثانية : المتقي اسم فاعل من وقاه فاتقى . والوقاية فرط الصيانة ، وهذه الدابة تقي من وجئها إذا أصابها طلع من غلظ الأرض ورقة الحافر فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء .
وهو في الشرع المؤتمر للمأمورات المجتنب عن المحظورات . واختلف في الصغائر أنه إذا لم يتقها فهل يستحق هذا الاسم ؟
روي عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس »
فحقيقة التقوى الخشية
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ
[ لقمان :
33 ] وقد يراد بها الإيمان
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى
[ الفتح : 26 ] أي التوحيد . وقد يراد التوبة
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا
[ الأعراف : 96 ] أي تابوا . وقد يراد الطاعة
أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ
[ النحل : 2 ] وقد يراد ترك المعصية
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ
[ البقرة : 189 ] وقد يراد الإخلاص
فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
[ الحج :
32 ] أي من إخلاصها والتقوى مقام شريف
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
[ النحل : 128 ]
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
[ البقرة : 197 ]
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 13 ] .
وعن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق اللّه ، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على اللّه ، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد اللّه أوثق منه بما في يده »
وقال علي عليه السلام : التقوى ترك الإصرار على المعصية ، وترك الاغترار بالطاعة .
وعن إبراهيم بن أدهم : أن لا يجد الخلق في لسانك عيبا ، ولا الملائكة المقربون في أفعالك عيبا ، ولا ملك العرش في سرك عيبا . الواقدي : أن تزين سرك للحق كما زينت ظهرك للخلق . ويقال : التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك .
وللّه در القائل : خل الذنوب صغيرها . وكبيرها فهو التقي .