آدم عليه السلام لما عطس قال : الحمد للّه فأول كلام لفاتحة المحدثات الحمد ، وأول كلام لخاتمة المحدثات الحمد ، فلا جرم جعلها اللّه تعالى فاتحة كتابه . وأيضا أول كلام اللّه « الحمد للّه » وآخر أنبيائه محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبين الأول والآخر مناسبة ، فجعل « الحمد للّه » أول آية من كتاب محمد رسول اللّه ، ولما كان كذلك وضع لمحمد رسول اللّه من كلمة الحمد اسمان :
محمد وأحمد . وعند هذا
قال صلى اللّه عليه وسلم « أنا في السماء أحمد وفي الأرض محمد »
فأهل السماء في تحميد اللّه ورسوله أحمدهم ، واللّه تعالى في تحميد أهل الأرض كما قال :
فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
[ الإسراء : 19 ] ورسول اللّه محمدهم .
أخرى : الحمد لا يحصل إلا عند الفوز بالرحمة والنعمة ، فلما كان الحمد أول الكلمات وجب أن تكون النعمة والرحمة أول الأفعال فلهذا
قال « سبقت رحمتي غضبي » « 1 » .
أخرى : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اسمه أحمد أي أكثر الحامدين حمدا فوجب أن تكون رحمة اللّه في حقه أكثر فلهذا جاء رحمة للعالمين .
أخرى : إن من أسماء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سوى اسمه محمد وأحمد الحامد والمحمود على ما جاء في الروايات ، وكلها تدل على الرحمة ، لأن الحمد يتضمن النعمة فقال تعالى :
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
[ الحجر : 49 ] فقوله « نبئ » إشارة إلى محمد وهو مذكور قبل العباد ، والياء في قوله « عبادي » ضمير اللّه سبحانه . وكذا في « أني » و « أنا » و « الغفور » و « الرحيم » صفتان للّه ، فالعبد يمشي يوم القيامة وقدامه الرسول صلى اللّه عليه وسلم مع خمسة أسماء تدل على الرحمة ، وخلفه خمسة ألفاظ من أسماء اللّه تعالى تدل على الرحمة ، ورحمة الرسول كثيرة
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] ورحمة اللّه تعالى غير متناهية
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
[ الأعراف : 156 ] فكيف يضيع المذنب فيما بين هذه الأصناف من الرحمة ؟ ! .
أخرى : في الفاتحة عشرة أشياء ، خمسة من صفات الربوبية : اللّه الرب الرحمن الرحيم المالك ، وخمسة من صفات العبودية : العبادة الاستعانة طلب الهداية طلب الاستقامة طلب النعمة في قوله « أنعمت عليهم » وكأنه قيل « إياك نعبد » لأنك أنت اللّه « وإياك نستعين » يا رب اهدنا يا رحمن ، وارزقنا الاستقامة يا رحيم ، وأفض علينا سجال فضلك يا مالك .
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب 15 ، 22 . مسلم في كتاب التوبة حديث 14 - 16 . الترمذي في كتاب الدعوات باب 99 . ابن ماجة في كتاب المقدمة باب 13 . أحمد في مسنده ( 2 / 242 ، 258 ) .