قلبه بمعرفة الربوبية ثم بمعرفة العبودية ، لأنه إنما خلق لرعاية هذا العهد
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ]
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
[ البقرة : 40 ] فلا جرم أنزل اللّه تعالى هذه السورة جامعة لكل ما يحتاج إليه العبد في الوفاء بذلك العهد
وقوله « إذا قال العبد : بسم اللّه الرحمن الرحيم يقول اللّه ذكرني عبدي »
مناسب لقوله تعالى
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
« 1 »
« أنا جليس من ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه »
والذكر مقام عال شريف ذكره اللّه تعالى في القرآن كثيرا
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
[ الأحزاب : 41 ]
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ
[ الأعراف : 205 ]
تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
[ الأعراف : 201 ]
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
[ آل عمران : 191 ] ولهذا وقع الابتداء به .
وقوله « ذكرني عبدي »
دل على أن ذاته المخصوصة صارت مذكورة بقوله « بسم اللّه الرحمن الرحيم » وهذا يدل على أن اللّه اسم علم .
وقوله « إذا قال : اللّه رب العالمين يقول اللّه : حمدني عبدي »
يدل على أن مقام الحمد أعلى من مقام الذكر لأنه أو كلام في أول خلق العالم حيث قالت الملائكة :
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
[ البقرة : 30 ] وآخر كلام في الجنة
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ يونس : 10 ] ولأن الفكر في ذات اللّه تعالى غير ممكن
« تفكروا في آلاء اللّه ولا تفكروا في اللّه »
وكل من تفكر في مخلوقاته ومصنوعاته كان وقوفه على رحمته وفضله وإحسانه أكثر فيحمد اللّه تعالى أكثر ،
فقوله « حمدني عبدي »
شهادة من اللّه تعالى على وقوف العبد بعقله وفكره على وجوه فضله وإنعامه في ترتيب العالم وتربية العالمين ، وأنه أقر بقلبه ولسانه بكرمه وإحسانه .
قوله « وإذا قال : الرحمن الرحيم » « يقول اللّه : عظمني عبدي »
يدل ذلك على أن الإله الكامل المكمل المنزه عن الشريك والنظير والمثل والند والضد ، هو في غاية الرحمة والفضل والكرم مع عباده . ولا شك أن غاية ما يصل العقل والفهم والوهم إليه من تصور معنى الكمال والجلال ليس إلا هذا المقام وهو التعظيم للّه .
وقوله « وإذا قال : مالك يوم الدين يقول اللّه : مجدني عبدي »
أي نزهني وقدسني عن الظلم وعن شبهة الظلم حيث قضيت معادا يحشر إليه العباد ويقضي فيه بين الظالم والمظلوم والقوي والضعيف .
أيحسب الظالم في ظلمه * أهمله القادر أم أمهلا
ما أهملوه بل لهم موعد * لن يجدوا من دونه موئلا
هامش
( 1 ) رواه مسلم في كتاب الذكر حديث ( 3 ، 18 ) . البخاري في كتاب التوحيد باب 15 . الترمذي في كتاب الدعوات باب 131 . ابن ماجة في كتاب الأدب باب 53 . أحمد في مسنده ( 2 / 251 ، 405 ) .