المال الصالح للرجل الصالح » « 1 »
وكيف لا تعم نعم اللّه تعالى وقد قال على العموم :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
[ البقرة : 21 ، 22 ] وقال :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
[ البقرة : 28 ] كل ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم . وقال :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبأ : 13 ]
وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
[ الأعراف : 17 ] والشكر لا يكون إلا بعد النعمة .
الثالثة : ما المراد بالنعمة المذكورة في قوله « أنعمت عليهم » ؟ قلنا : يتناول كل من كان للّه عليه نعمة دينية ودنيوية . ثم إنه يخرج بقوله « غير المغضوب عليهم ولا الضالين » كل من عليه نعمة دنيوية فقط ويبقى الذين أنعم اللّه عليهم في الدنيا والآخرة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . وكما أن أصل النعم الدنيوية هي الحياة المستتبعة لكل المنافع ، فكذلك أصل النعم الدينية هو الإيمان المستلزم لجميع الخيرات والسعادات . وكما أن كمال البدن بالحياة فكمال النفس بالإيمان وموتها بفقده
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى
[ النمل : 80 ]
وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ
[ فاطر : 22 ] وكما أن حياة البدن من اللّه فكذا الإيمان منه وبتوفيقه . وإضافة الإيمان إلى العبد إضافة الأثر إلى القابل وبذلك القبول يستأهل الثواب . والمؤمن لا يبقى مخلدا في النار ، فإن من شرفه اللّه تعالى بأعظم الأنعام لن يعاقبه بأشد الآلام ، فما الإنعام إلا بالإتمام . قيل : لو كان رعاية الأصلح على اللّه واجبا لم يكن ذلك إنعاما لأن أداء الواجب لا يسمى إنعاما . قلت : النزاع لفظي لأن الأصلح لا بد أن يصدر عنه ، ولا يليق بحكمته وكماله خلاف ذلك ثم ما شئت فسمه .
الثاني عشر في فوائد قوله « غير المغضوب عليهم ولا الضالين » .
الأولى : من المغضوب عليهم ومن الضالون ؟ قلت : المغضوب عليهم هم المائلون في كل خلق أو اعتقاد إلى طرف التفريط ومنهم اليهود ، والضالون هم المائلون إلى طرف الإفراط ومنهم النصارى . وإنما خص الأولون بالغضب عليهم لأن الغضب يلزمه البعد والطرد ، والمفرّط في شيء هو المعرض عنه غير مجد بطائل فهو بعيد عن ذلك . وأما المفرط فقد أقبل عليه وجاوز حد الاعتدال ، فغاب عن المقصود ومني بالحرمان
كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ
[ الأنعام : 71 ] فاليهود فرطوا في شأن نبي اللّه ولم يطيعوه وآذوه حتى قالوا بعد أن نجاهم اللّه من عدوّهم
يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
[ الأعراف : 138 ]
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
[ البقرة : 55 ] ولهذا قال عز
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 197 ، 202 ) .