وهذا من أحسن القياس التمثيلي . فإنه شبه تمزيق عرض الأخ بتمزيق لحمه .
ولما كان المغتاب يمزق عرض أخيه في غيبته كان بمنزلة من يقطع لحمه في حال غيبة روحه عنه بالموت .
ولما كان المغتاب عاجزا عن دفعه عن نفسه بكونه غائبا عن مجلس ذمه كان بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه .
ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر ، فعلق عليها المغتاب ضد مقتضاها من الذم والعيب والطعن : كان ذلك نظير تقطيع لحم أخيه ، والأخوة تقتضي حفظه وصيانته والذب عنه .
ولما كان المغتاب متمتعا بعرض أخيه ، متفكها بغيبته وذمه ، متحليا بذلك شبّه بآكل لحم أخيه بعد تقطيعه .
ولما كان المغتاب محبا لذلك معجبا به : شبه بمن يحب أكل لحم أخيه ميتا ومحبته لذلك قدر زائد على مجرد أكله ، كما أن أكله قدر زائد على تمزيقه .
فتأمل هذا التشبيه والتمثيل ، وحسن موقعه ، ومطابقة المعقول فيه للمحسوس وتأمل إخباره عنهم بكراهة أكل لحم الأخ ميتا ، ووصفهم بذلك في آخر الآية ، والإنكار عليهم في أولها : أن يحب أحدهم ذلك ، فكما أن هذا مكروه في طباعهم ، فكيف يحبون ما هو مثله ونظيره ؟ .
فأحتج عليهم بما كرهوه على ما أحبوه . وشبه لهم ما يحبونه بما هو أكره شيء إليهم ، وهم أشد شيء نفرة عنه .
فلهذا يوجب العقل والفطرة والحكمة : أن يكونوا أشد شيء نفرة عما هو نظيره ومشبهه . وباللّه التوفيق .
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم ) — صفحة 480
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٤٨٠