فهذا التحقيق في أمرها .
والمقصود : أن قوله :
لَمْ يَكَدْ يَراها
إما أن يدل على أنه لا يقارب رؤيتها لشدة الظلمة ، وهو الأظهر . فإذا كان لا يقارب رؤيتها فكيف يراها ؟
قال ذو الرمة :
إذا غيّر النأى المحبين ، لم يكد * رسيس الهوى من حب ميّة يبرح
أي لم يقارب البراح . وهو الزوال . فكيف يزول ؟ .
فشبه سبحانه أعمالهم أولا في فوات نفعها وحصول ضررها عليهم بسراب خداع يخدع رائيه من بعيد ، فإذا جاءه وجد عنده عكس ما أمّله ورجاه .
وشبهها ثانيا في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة خالية عن نور الإيمان بظلمات متراكمة في لجج البحر المتلاطم الأمواج ، الذي قد غشيه السحاب من فوقه .
فيا له تشبيها ما أبدعه ، وأشد مطابقة لحال أهل البدع والضلال ، وحال من عبد اللّه سبحانه وتعالى على خلاف ما بعث به رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وترك به كتابه .
وهذا التشبيه هو تشبيه لأعمالهم الباطلة بالمطابقة والتصريح ، ولعلومهم وعقائدهم الفاسدة باللزوم .
وكل واحد من السراب والظلمات مثل لمجموع علومهم وأعمالهم ، فهي سراب لا حاصل لها ، وظلمات لا نور فيها .
وهذا عكس مثل أعمال المؤمن وعلومه التي تلقاها من مشكاة النبوة .
فإنها مثل الغيث الذي به حياة البلاد والعباد . ومثل النور الذي به انتفاع أهل الدنيا والآخرة . ولهذا يذكر سبحانه هذين المثلين في القرآن في غير موضع لأوليائه وأعدائه .