ثالثها : أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده . فإن الخاشع الذليل الضارع إنما يسأل مسألة مسكين ذليل إذا انكسر قلبه ، وذلت جوارحه ، وخشع صوته ، حتى إنه ليكاد تبلغ به ذلته ومسكنته ، وكسرته ، وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه بالنطق . فقلبه سائل طالب مبتهل ، ولسانه لشدة ذله وضراعته ومسكنته ساكت . وهذه الحالة لا يتأتى معها رفع الصوت بالدعاء أصلا .
ورابعها : أنه أبلغ في الإخلاص .
وخامسها : أنه أبلغ في جمعية القلب على اللّه في الدعاء . فإن رفع الصوت يفرقه ويشتته . فكلما خفض صوته كان أبلغ في حمده وتجريده همته وقصده للمدعو سبحانه وتعالى .
وسادسها : وهو من النكت السرية البديعة جدا - أنه دال على قرب صاحبه من اللّه ، وأنه لاقترابه منه ، وشدة حضوره يسأله مسألة أقرب شيء إليه . فيسأله مسألة مناجاة القريب للقريب ، لا مسألة نداء البعيد للبعيد .
ولهذا : أثنى سبحانه وتعالى على عبده زكريا بقوله :
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا
فكلما استحضر القلب قرب اللّه تعالى منه ، وأنه أقرب إليه من كل قريب ، وتصور ذلك أخفى دعاءه ما أمكنه ولم يتأت له رفع الصوت به ، بل يراه غير مستحسن كما أن من خاطب جليسا له يسمع خفي كلامه فبالغ في رفع الصوت استهجن ذلك منه وللّه المثل الأعلى سبحانه . وقد أشار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى هذا المعنى بعينه بقوله في الحديث الصحيح . لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير وهم معه في السفر
فقال : « أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته » وقال تعالى :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ . أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
و
قد جاء أن سبب نزولها : أن الصحابة قالوا : « يا رسول اللّه ربنا قريب فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل اللّه عز وجل :
وَإِذا سَأَلَكَ