وهذا الغسل لا يمكن إلّا بفناء العارف في المعروف ، والشاهد في المشهود المعبّر عنه بالفناء في التوحيد ، وذلك يكون بمشاهدة الحقّ من حيث هو هو ، أعني يشاهده بحيث لا يشاهد معه غيره ، أعني لا يشاهد في الوجود إلّا وجودا واحدا ، وذاتا واحدة مجّردة عن جميع الاعتبارات والتّعينات ، وإليه أشار الحقّ تعالى في قوله :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[ القصص : 88 ] .
وكذلك في قوله :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[ الرحمن :
26 - 27 ] .
وقد مرّ تحقيق هاتين الآيتين غير مرّة والتكرار غير مستحسن .
وحيث تقرّر هذا التّوحيد ، هو الصّراط المستقيم الحقيقي ، المأمور بالاستقامة عليه نبيّنا صلى اللّه عليه واله :
وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
[ هود : 112 ] .
والحدّ الأوسط المشار إليه في قوله :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
[ الانعام : 153 ] .
وتقرّر أنّ له طرفان : طرف إفراط ، وطرف تفريط ، اللّذان هما التّوحيد الإجمالي ، والتوحيد التّفصيلي .
هامش
« إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النّور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك » .