وعن هذا صار مفصل الخلاف ومحزّ الافتراق ما هو في قوله :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
[ الإسراء : 94 ] .
فتبيّن أنّ المانع من الإيمان ( هو هذا المعنى ) هو معنى قوله كما قال في الأوّل ( كما قال في المتقدّم في الأوّل ) :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
[ الأعراف : 12 ] .
وقال المتأخّرون من ذرّيته كما قال المتقدّم :
أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ
[ الزخرف : 52 ] .
وكذلك لو تعقّبنا أحوال المتقدّمين منهم ووجدناها مطابقة لأقوال المتأخّرين ،
كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ
[ البقرة : 118 ] .
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ
[ يونس : 74 ] .
فاللعين الأوّل لمّا ان حكم العقل على من لا يحتكم ( يحكم ) عليه العقل لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق ، أو حكم الخلق في الخالق ، والأوّل غلوّ والثاني تقصير .
فثار من الشبهة الأولى مذاهب : الحلوليّة ، والتناسخيّة ، والمشبّهة ، والغلاة من الرافضة حيث غلوا في شخص من الأشخاص حتّى وصفوه بصفات الجلال ( بأوصاف الإله ) .
وثار من الشبهة الثانية مذاهب : القدريّة ، والجبريّة ، والمجسّمة حيث قصروا في وصفه تعالى ( حتّى وصفوه ) بصفات المخلوقين .