وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
[ سورة المائدة : 47 ] .
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[ سورة المائدة : 45 ] .
فكيف يكون حال طائفة يكونون هم أعظم من الملائكة في الشّرف والرّتبة ، وبل أشرف من جميع الموجودات والمخلوقات في الصّورة والمعنى ، بأفعالهم وإهمالهم أوامر اللّه تعالى ومشاهدة آياته في الآفاق والأنفس والقرآن الجامع بينهما بحيث يسميهم اللّه تعالى كافرا وكلبا وخنزيرا ومنافقا ومشركا ودوابّا ، ويجعلهم أحسن منهم في الدنيا والآخرة ، نعوذ باللّه من هذا ، فيجب على كلّ عاقل حينئذ الانتباه من نوم الغفلة ، والتّيقظ من رقدة الجهالة ، فإنّ العاقل لا يرضى لنفسه أن يكون متصفا بهذه الأوصاف ، مخلّقا بهذه الأخلاق ، لأنّه إذا تنبه وتيقظ ورجع إلى اللّه تعالى بالتّوبة والإنابة ، وقام بعبادته حقّ العبادة فتح عين بصيرته وكشف عن عين قلبه غطاء الأنانيّة والغيريّة وأدخله في عبادة الّذين حصل لهم هذه المطالعة في آياته القرآنيّة والآفاقيّة ، ووصلوا إلى مشاهدته فيهما كشفا وعيانا وذوقا ووجدانا وصار من الّذين يشربون من رحيق مختوم ختامه مسك من جنّات الذّات والصّفات والأفعال والمعارف والحقائق مطلقا ، لقوله تعالى فيهم :
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
[ المطفّفين : 18 - 28 ] .
وإن لم يفعل ذلك ويبقى على حاله الّذي هو عليه من الجهل والغفلة يكون حاله بعكس ذلك في العاجل والآجل ، والمبدأ والمعاد ويصير مستحقّا للحميم والزّقوم والغسلين ويدخل مدخل الفجّار والكفّار والأسرار ، لقوله تعالى فيهم :
هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ
[ سورة ص : 55 - 57 ] .
ويصدق عليه كل ما يصدق عليهم ، لقوله تعالى أيضا :