تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
ناقص بذاته مستكمل بها والمستكمل بالغير محتاج إليه فيكون ممكنا على ما مرّ وذلك على اللّه محال . وأمّا الحركة فقد عرفت أنّها من خواصّ الأجسام ، والباري سبحانه منزّه عن الجسميّة فيمتنع صدق المتحرّك عليه وإن صدق أنّه محرّك الكلّ ، لأنّ المتحرّك ما قامت به الحركة ، والمحرّك أعم من ذلك . وأمّا الهمامة أو الهمّة ، فلمّا كانت مأخوذة من الاهتمام ، وحقيقته الميل النفساني الجازم إلى فعل الشيء مع التألّم والغمّ بسبب فقده كان ذلك في حقّ اللّه تعالى محالا لوجهين : أحدهما ، أنّ الميل النفساني من خواصّ الإنسان طلبا لجلب المنفعة ، والباري سبحانه منزّه عن الميول النفسانيّة وجلب المنافع . الثاني ، أنّه مستلزم للتألّم المطلوب ، والتألّم على اللّه تعالى محال ، وإذ ليس إيجاده تعالى للعالم على أحد الأنحاء المذكورة ، فهو إذن بمحض الاختراع والإبداع البرئ من الحاجة إلى أمر خارج ذاته المقدّسة :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ سورة البقرة : 117 ] . واعلم أنّه عليه السّلام أردف كلّا من هذه الأمور بما هو كيفيّة في وجوده ، فأردف الرّويّة بالإحالة والتجربة بالاستفادة والحركة بالإحداث والهمامة بالاضطراب لتنتفي الكيفيّة بانتفاء ما هي عن ذاته المقدّسة ، وباللّه التوفيق . قوله : أجال الأشياء لأوقاتها ولاءم بين مختلفاتها ، وغرّز غرائزها وألزمها أشباحها . أقول : لمّا نبّه على نسبة إيجاد العالم إلى اللّه تعالى جملة ، أشار بعده إلى أنّ ترتيبه وما هو عليه من بديع الصنع والحكمة كان مفصّلا في علمه وفق حكمته البالغة قبل إيجاده . والمراد بقوله : أجال الأشياء لأوقاتها : الإشارة إلى ربط كلّ ذي وقت بوقته بحسب ما كتب في اللوح المحفوظ بالقلم الإلهي بحيث لا يتأخّر متقدّم ولا يتقدّم متأخّر