وإن قلت : عدم قابليتهم وقلّة استعدادهم يرجع إلى علم الحق بهم ، وعدم إعطائهم القابليّة في الأزل .
قلنا : قد مرّ مرارا أنّ العلم ليس له تأثير في المعلوم باتّفاق العقلاء ، وأنّ القابليّة في القوابل ليس من الفاعل ، وإلّا لبقي الاعتراض والحجّة من كلّ واحد واحد من القوابل على الفاعل ! بأنّك لم ما جعلتني كذا كذا وجعلتني كذا ، وقد سبق هذا البحث أيضا في صورة الحروف والكاتب وغير ذلك .
واللّه لو لم يكن في القرآن إلا قوله :
كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
[ سورة الإسراء : 84 ] .
لكفى برهانا في صدق هذه الدّعوى وتطبيق هذا المعنى .
وبالجملة ليس في هذه الآيات تناقض ولا تخالف ، وقول اللّه تعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ سورة النساء : 82 ] .
يحكم لصدق هذا ، لأنّ الاختلاف لو فرضنا في زمان آدم ( ع ) وآخر غير زمان آدم وهو عين الاتّفاق في نفس الأمر ، لأن الاختلاف في زمان والاتّفاق في زمان آخر هو عين الاتّفاق في الكلّ ، لأنّ الكلّ لا يكون كلّا إلّا كذلك وإدراكه يحتاج إلى كشف سرّ القدر ، وذلك دقيق رزقك اللّه الفهم فيه فإنّه قادر على ذلك وما ذلك على اللّه بعزيز ، هذا معنى قوله :
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ
[ سورة البقرة : 213 ] .
وأمّا معنى قوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً *
إلى آخره [ سورة المائدة : 48 ] .
وقد سبق معناه مرارا ، والكلام غير مستحسن من العقلاء ، لكن الضّرورات تبيح المحظورات ، والمراد به أنّه ولو شاء ربّك أن يجعل النّاس أمّة واحدة على سبيل الجبر والقهر لأمكن ، ولكن ما شاء هذا إلّا على سبيل الاختيار والإرادة لئلّا يناف التّكليف ويخالف الغرض من الحكيم الكامل .
لقوله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ سورة الذاريات : 56 ] .