في العلوم فلا تكون حينئذ مجعولة للكاتب من هذا الوجه ، نعم يصدق عليها أنّها مجعولة للكاتب إذا أوجدها في الخارج مطابقا لما في الذّهن ، فالحق تعالى كذلك ، فإنّه إذا أوجد شيئا في الخارج مطابقا لما في علمه الأزليّ السّابق على وجود ذلك الشيء . يسمّى مجعولاته ومخلوقاته ، فأمّا إذا كان في علمه الأزليّ الذّاتي وكان من معلوماته الأوّليّة فلا يسمّى مجعولا ولا يصدق عليه أنّه من مجعولاته ، لأنّه تعالى ما صار عالما به في الأزل إلّا على الوجه الّذي كان هو عليه في نفسه حالة العدم ، لأنّه لو جعله موجودا ثمّ صار به عالما للزم الفساد المذكور الّذي هو سبق العلم على المعلوم أو الجهل به في آن من الآنات ، والأقسام بأسرها باطلة كما عرفتها فلا تكون معلوماته الأزلية مجعولاته وهو المطلوب ،
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
[ سورة العنكبوت : 43 ] .
( الأعيان والماهيّات من شؤون ذات الحق تعالى وكمالاتها غير المتناهية )
ومثال آخر ، وهو أنّ الأعيان والماهيّات من شؤونه الذّاتيّة الّتي هي عبارة عن كمالاتها غير المتناهية الكامنة في ذاته المسمّاة بالصّفات والأسماء والكمالات والشؤون ، كما أنّ الأعضاء والأوراق والأثمار كلّها من كمالات الشّجر وأنّها حال علمها بذاتها في النّواة لا تسمّى شجرا ولا موجودا في الخارج ، بل يسمّى هذا العلم علم النّواة بكمالاتها الذّاتية ومراتبها الشّجريّة فكما لا ينسب علم النّواة مثلا بتفاصيل كمالاتها الذّاتيّة في صور أوراقها وأغصانها وأزهارها وأثمارها إلى جعلها ، كذلك لا ينسب علم الحق تعالى بتفاصيل كمالاته الذّاتية في صور أسمائه وصفاته وأفعاله ومظاهره ومجاليه الّتي هي المخلوقات العلميّة أزلا والمكونات الذّاتيّة المكتفية في الذات إلى جعله ولهذا قال :
إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ سورة يس : 82 ] .
وتقديره إذا أراد إيجاد شيء من هذه الموجودات العلميّة في الخارج يشير إليه بإبرازه من العدم إلى الوجود ومن الكتم إلى الظّهور . . .
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ سورة الرّوم : 27 ] .
وقوله :